الثلاثاء، 8 ديسمبر 2020

زوارق

 

صديقتي العزيزة،

 

ستدركين فور قراءتك لاسمي على ظرف هذه الرسالة بأن هناك خطباً عظيماً قد حدث. لقد تجاهلت اخبارك عبر وسائل التواصل كلّها لأنها لا تقول شيئاً، لأنها ليست فمي ويدي. منذ أن حدث ما حدث قررت أن أراسلك بشكل أصيل، بشكل يليق بالحياة. المكالمة الهاتفية ستدفعنا للثرثرة والرسائل النصيّة ستجعل الامر العظيم مجرد خبر عاجل مبتور، أما البريد الاليكتروني فهو ليس تواصلاً روحيّاً، ديناميكي وحديث للغاية. لذا زرت مكتبة القرطاسية الذي يقع على بعد أمتار من متجري، ابتعت من هناك قلم حبر علامة باركر وحزمة أوراق قياس A4 وهذا الظرف ذا الحواف المقلّمة بالأزرق والأحمر. رغم أني _كما تعرفين_  لم ارتَد المكتبة منذ سنين ولم استعمل الورقة والقلم. لقد كان قراري حازماً تلك المرة ولكن انظري لما حدث، ها أنا ذا أعود بنهم طفوليّ.

 

هل عندك فكرة عمّا آلت إليه حياتي منذ أن قررت ترك الكتابة؟ هناك شعور حاد بأن رئتاي تسحبان اوكسجيناً أكثر، عيناي غير متشنجتان وفكري يجري ببُعدٍ واحد فقط. عمومًا، قمت بافتتاح متجر خاص بي. هو ليس متجراً بل لنقل مقهى أو مطعم، ولكن بسبب جهلي باللغة الفنلنديّة آنذاك اسميته بالمتجر. متجر الحساء.

فبعد قرار تركي للكتابة كان عندي متسع ضخم لتعلم الكثير، أول هذا الكثير الاستجابة لولعي بفكرة تركيب المواد لتكون النتيجة نشوة حسيّة لا تضاهيها أخرى. تعلّمت في البداية أطباقًا مختلفة. بدءاً بالأسهل، بالمعكرونة ثم تصاعداً حتى الأطعمة التي يصعب إعدادها كالحليم الباكستاني والتيت دي ڤو الفرنسيّ. وكان الامر اكتشافاً ممتعاً أكثر منه تعلماً. أذكر أن أولى اطباق المعكرونة التي أعددتها كانت مجرد معكرونة قلم مع معجون وصلصة الكتشب، ثم قمت بعدها بإضافة الثوم أو الريحان والجبنة، أما الآن فيعرف المقربون أن اشهى طبق معكرونة أقوم بصنعه هو حين أضيف اليها جبن البارميزان وصلصة الكمأ.

 

كان الأمر ولعاً فريداً، لعبة. راودتني في أحيان كثيرة فكرة أن أقوم بدراسة الطبخ كما توفره المعاهد الحكومية هنا كإختصاص، ولكنها ما لبثت أن خفتت. إن في روح المهاجر هاجس مضطرب غير مبرر تجاه الزمن.

ولكني قررت أن اختصر تلك الطرقات بأن أضع ما عندي من المال في متجري البسيط هذا. لست بحاجة لمعرفة سبب اختياري للحساء كهوية للمطعم! كم مرّ من الوقت؟ هل عشرون سنة ام أكثر. نعم لا أزال تلك المراهقة التي لا تتناول سوى الحساء كي لا يزيد وزنها.

 

كنتُ أفكر أن ارفق صوراً للمتجر ولكن دعيني أكمل هذا التواصل الأصيل كما بدأته.

المتجر ليس كلاسيكياً بالمرّة كما كنت أفضّل فيما مضى. بل قمت بشراء كراسيٍ ملوّنة وطاولات طعام بيضاء، وجعلت الحجز أو اختيار المكان يتم تصنيفاً للون. ما لاحظته طوال السنين أن الأحمر هو أكثر الألوان تفضيلاً. علقت رفوفاً بشكل متدرج على الجدران بشكل عشوائيّ ووضعت عليها اصصا لنباتات اصطناعيّة وكتباً خفيفة ككتب باولو كويلو ودانييل ستيل. اضع عادة موسيقى جيبلي الحالمة وأرى أن لا بأس بها بالتأثير على ملامح الزوّار.

أكثر ما أحبه في هذا العمل هي فقرة الزيارات المدرسية. يزرني بين الحين والآخر مجموعة طلاب من المدارس الابتدائية بصحبة معلميهم، وحينها تبدأ الفوضى والبعثرة وهمسات الكلمات الممنوعة واتفاعل مع جميعها، ذلك أنه حين ينظر الإنسان للأطفال فهو لا يرى في الحقيقة سوى طفل واحد.

 

كنت هاربة من الكثير ولكن روحي خفيفة. ما حدث وما قد لا تصدقيه هو ضهور جدتي فجأة. كان مساءاً شتوياً خاملاً وكنت قد وضعت الموسيقى بشكل خافت للغاية وجلست لكتابة الفواتير التي عليّ دفعها. ولج من الباب، التي تصدر صريراً عالياً في فترة الشتاء، رجل تبدو ملامحه شرقيّة وخلفه امرأة عجوز بالكاد تقف هناك. بدا أنه لا يعرف شيئاً بخصوصها، أخبرني أنها جدتي وأرادت بشدة الوصول لهذا العنوان ثم غادر. تسمرت أنظر إليها وإذ بها تخرج علبة صغيرة من حقيبتها وتوجهت نحو الباب، ثم راحت تدهن مفاصل الباب الحديدية بما تخرجه من العلبة. عادت بعد ذلك تتمشى ببطء واتخذت من احدى الزوايا مكاناً لها. وضعت حقيبتيها وخلعت ردائها ومددت قدميها بشكلٍ مستقيم ثم تنهدت بشيء يشي بلذّة الوصول. كنت على يقين تام بأنها أخطأت المكان ورحت اكلّمها بأني سأبقيها هنا حتى تجد من تبحث عنهم. كانت عيناها مثل شقّين غير مرئيين في وجهها ولكن ما أن تمتعض حتى تبدأ بالاتساع رويداً رويداً وتصيران جحريّ ملامة وشؤم. رمقتني بتلك النظرة وقالت أنها جدتي شفق زوجة الهنديّ.

 

كنّا قد تزوّجنا في العقد الثالث من القرن الماضي زواجاً سريّاً دون دراية عائلتينا، حيث رفضت عائلتي زواجي من جدك لأنه كان ذو حسب بريطاني هنديّ. كانوا قساة حتى باستعمال اللغة وكانوا يسمونه الهندي الذي بلا أصل. كان جدك وسيماً وطالباً لا بأس به في معهد الفنون. اختصّ بدراسة النحت وظهرت منذ السنة الأولى بوادر أسلوبه الخاص في نحت ما يراه. آه لو أن عندي صوراً لأعماله لاريتك إياها ولكني لا احمل معي في الحقائب سوى ثوبي ووشاح شعري والأعشاب والأدوية. ولكن.. لا تقاطعيني، ولكننا كنا زوجين مناسبين ولم اندم كثيراً أنني تخليت عن حياة لأجله. هل أخبرك ابوكِ عنا؟ لأنني لا أرَ على وجهك سوى نظرة بليدة. ابوكِ سعدون أبننا الوحيد، كان وحيداً حقاً ولم يطل العيش كثيراً في منزل والديه. ربما كان في التاسعة أو العاشرة عندما لم يعد من المدرسة، كنت قد وبخته الليلة الفائتة لأنه رسم على الحائط ثم وصل الجدال حتى والده الذي قال أنها بوادر فنان.. المهم غادر ولم نسمع عنه إلا بعد سنين. كان علينا أن نفطن أنه سيغادر لأن رسم قوارباً كثيرة في تلك الفترة. كان علينا أن نفطن لإننا فنانان. هل أخبرتك أن والده فنان؟ كان نحاتاً وتعارفنا في الجامعة..

 

وما لبثت أن غفت بشكل غريب حتى ليظن الناظر أنها لم تكن على قيد الحياة يومًا.

لم تكن عندي أدنى رغبة بأن اصنع بيننا رابط الحفيدة والجدة ولكن كان لها رأي آخر. فهي لم ترغب بالبقاء في منزلي ولم تستمع لي حين عرضت عليها جلب ممرضة خاصة، على عكس ذلك اقامت في المتجر، تحديدًا في الزاوية التي اختارتها. غير أنها لم تكن تصدر صوتًا دون أن أبادر للحديث معها، كانت تبقي عيناها مغلقتان ويداها حول حقيبتها. لم يعلق المارة على الأمر واكتفوا أن يحدقون بها حتى تمتلىء أعينهم بالزمن. ولكني رغم ذلك شعرت بالحرج الشديد وبالحاجة لتبرير وجودها، وقد راودتني فكرة سهلة بأن اخبر الزوّار أنها الشحّادة النائمة. وصرت امرر هذا الادعاء بالحديث مع الزوّار دون أي رد فعلٍ منها.

ولكن الأمر لم يكن بهذه البساطة، فهذه العجوز لم تكن بالإنسان اليسير الذي يُرمى في زاوية المكان. كانت إشارتها لبدء الحديث هي تلك الحركة التي تقوم بها بعينيها، وفتحهما على اتّساعيها وتنظر لثوان ثم تفضي بما تفضي به. فعلت ذلك أمام رجل كان يضع ثقله على عربة طفله. نظرت اليه لفترة وجيزة ثم زحفت بمؤخرتها بضع مرات حتى غطت بجسدها لائحة اليوم، وحين دار جدال بيني وبينها غادر الرجل المتجر ساخطاً. حينها فقط أطبقت جفنيها وارتسم السلام على محياها مجدداً.

بدت حادثة عابرة، حركة طفولية للفت انتباه لا أكثر. مرت أيام دون أن تقوم بأي شيء عدا تناول ما أقدمه لها من أطعمة وذهابها إلى الحمام. وقد طمأنني هذا السكون الذي يرافقها، كما تعرفين لست افضّل الحديث كثيراً ولكن وجود الآخر يجعل من اصابيعي آلة فنيّة خارقة. كنت انشغل حينها بإعداد احسية متنوّعة لمجموعة طلابية ستزورني بمناسبة انتهاء الفصل الدراسيّ، لذا حجزت يوماً كاملاً لتواجدهم. كنت أقوم بإعداد المكوّنات وصفّها والحديث مع جدتي، اخبرتها أن الأطفال يحبون حساء السلمون كما أنه مفيد وذا ألوان مرحة. وأن نظام التغذية في فنلندا صحيّ عموماً وأن ذاكرتي متعبة، كأنها لوحة لبولوك، وإني لا أذكر تحديداً متى استسغت الطعام الفنلندي لأول مرة ومتى توقفت عن وضع الملح بكثرة في طعامي، وإني لا أعرف متى رأيت ما رأيت. وأن الحب ليس سوى محطة استراحة من الوجود، حتى تقعين في حب من يضع في جيبه خريطة العالم وفي قلبه حنجرة البلابل، فتصيرين أمّاً، امرأة مبالية لا يفوتها شيء، تعرف عدد قطرات المياه التي تسيل ليلاً في الصنابير وتعرف الآخرين من خطواتهم. نظرت إلى جدتي وشعرت حينها لوهلة بأنها موجودة حقاً، فمددت سبابتي ولمست خدها الدافئ والمتعرج كالعجينة.

 

اوصيتها بالحذر أثناء ذهابي لتبضع بعض الأشياء إلى حين قدوم الطلاب.. كانت المرة الأولى ، مرة وحيدة  بأن هنالك شخص حقيقي في عالمي. اتعرفين ما حدث؟ لن أطيل ولكن الحديث بتفصيل ينظف هذا البدن. حين عدت كانت رفوف المتجر قد امتلأت بعلب زجاجية تحفظ داخلها اعشاباً ووروداً مجففة وهناك اكياساً قماشيّة تتدلى على الحائط وعطر بخور تملأ المكان. أما الجدة فكانت جالسة إلى  اللابتوب تحاول كتابة شيء ما.

 

-ألا يقول شوبنهاور أن الموسيقى ليست شيئاً يضاف إلى العالم بل هي عالم قائم بحد ذاته؟ دعيني اضع أغنية.

 

انصرفت عنها منشغلة بعجلة باطفاء البخور وطرد رائحته من المكان. كنت مذعورة جداً ورغبت لو اجري اتصالاً هاتفياً معكِ لتساعديني ولكن الوقت لم يتسع. حين دخل الطلاب المتجر راحت الجدة تتحرك بخفة شابة. كومة اللحم تلك! وضعت أمامهم صحوناً ومعالق وراحت تصب لهم حساء عدس! حساء عدس تخيّلي! وجهن لي المعلمات نظرة لوم وتساؤل وما فعلته هو أن اختبئت خلف ظهرها. لحسن الحظ أن استساغ الأطفال الحساء وطلبوا المزيد. كنت اراقب ما يجري واتعلم أن لغة الأم للإنسان، وجهه.

لم يحدث أن أحبني الأطفال لذلك الحد، لم يستجيبوا لأوامر المعلمات وراحوا يرمون بثقلهم على ظهر وحظن الجدة، بدت مثل آلهة هناك وخفت أنها لو فرحت أكثر لبزغ من كتفها ايادٍ أخرى.

طلبت من أحد الأطفال أن يجلب حقيبتها. أخرجت منها أوراقًا وراحت تقوم بصنع زوارق ورقيّة بأشكال مختلفة، مرة باشرعة ومرة مجرد قارب صيد صغير. والتفّ الصغار حولها يقلّدون ما تصنعه.

 

حين غادر الأطفال كانت عيناها مفتوحتان دون ذعر. وراحت تبتسم ثم تضحك بصوت مسموع. كانت نحيفة  لدرجة اني سارعت لعناقها حتى لا تتبعثر على الارضيّة.

 

لا تظني أنها المحبة، بل الفخ الذي ملأ قلبي بهذه العاطفة. بعد ذلك اليوم صارت الموسيقى الشرقية تصدح في المتجر وامتلأت هذه الجدة بنشاط لتقوم بإعداد أطباق دسمة للغاية. تغيّرت الرفوف وصارت مجرد مسند للأعشاب والنباتات، أما الكتب فقامت باستبدالها بكتبٍ أخرى عن التاريخ والأدب كتلك الكتب التي كنت اقرأها فيما مضى، حتى أنها غيّرت مواضع الكراسي ولم تعد الطاولات بتصنيف لونيّ بل جعلتها عشوائيّة. وكأن احداً هزّ رأسي بعنف ثم حرره.

عليكِ أن تعي تماماً أنني لم أكن ذات صلة بما جرى، كل ما في الأمر أنني كنت مستسلمة لما تقوم به. في تلك الفترة  لم يعد يزرنا الزبائن بكثرة، غالباً يمرون صدفة فيدخلون لتجربة الطعام أم الآخرون فاختفوا تماماً. لم يزرنا أي طفل ولكن ما تقوم به الجدة كان يعوّض ذلك حقاً. كانت مذهولة بما آل إليه العالم، بفكرة طباعة صورة على كعكة الميلاد فقد كانت مشغولة بإعداد شيء ما لعيد ميلادي القادم. واضبطت على وضع اللابتوب أمامي لتطلب مني وضع كلمة كعكة ميلاد في محرك البحث، ثم تدير الجهاز عني. لم يحدثني بابا سعدون عنها، ربما ذكر شيئاً بخصوص أمه ولكنني كطفلة لم أدرك أن لوالدة أبي علاقة بي. لم أرَ لها أو لجدي صورة أو ذكرى عند أبي ولكنه كان يحتفظ بقارب ورقيّ، لا أدرِ، ربما هو من صنعها. ربما ورثت عن أبي ذلك الهاجس الذي يقول أنني لست في المكان الذي أريد، لقد ترك والدتي بعد ستة سنين دون أن يخبرها بشيء والآن أعرف من أمه أنه غادرهما في صغره. ما الذي يدفع الإنسان لفعل أمر مماثل؟ اسألك يا صديقتي لأنني كذلك ولأنني لا أعرف.

 

في يوم عيد ميلادي، اصطحبتني الجدة لبحيرة هنا في هلسنكي. كانت الساعة الخامسة فجراً. جلسنا على صخرة متلفعتين بوشاح صوفيّ واحد. قالت لي أن الأطفال قادمون. لم أفهم حتى سمعت صوت ركض وضحك. جاءت مجموعة أطفال إلينا وعانقوا الجدة التي سحبت من حقيبتها زوارق ورقية ووزعت واحداً لكل طفل. صديقتي العزيزة، أعتذر بشدّة. غادر الأطفال لوضع الزوارق في البحر وما بها إلا تزداد ضخامة حتى صارت زوارق تتسع لإنسان حقيقيّ. ركب كل طفل قاربه وانطلق يبتعد عنّا. أعتذر منكِ، لم يكن بيدي حيلة لمنع ما جرى. عرفت لاحقاً من سجل أسماء الأطفال المختفيين أن أحدهم كان طفلك. لقد سرق مني الغياب ذاكرتي وجعل من الصور جدراناً. سأزوركِ قريباً. هل تتعرفين إليّ إن رأيتني؟

نلتقي قريباً، لأنني فطنت لحقيقة مهمة اليوم، وأنا على درجات سلّم الميترو المتجه لمركز المدينة ومحاط  بعشرات الأقدام _ذلك أن الإنسان ليس سوى قدمه في لحظات العجلة،_، وهي أني قد انتهيت من رغبة الخلود، أدركتُ ذلك في لحظة صفاء كامل؛ إن تمشى الإنسان في مدنهِ الكبيرة وبين أفكاره دون قلق من رؤية من يحب وما يحب، يعني أنه قد تخلّص من قيده الكبير للأبد.


اللوحة: دووى هاين






 




 

 

 

 

الاثنين، 30 مارس 2020

عفريت الظهيرة






يحملني ضجر الظهيرة على فكرة إخراج العفريت وتقفّي جسده وهو يتمشى بسأم من زاوية إلى أخرى.

كنتُ عثرتُ عليه في صندوق خشبيّ حملتهُ معي من بيت جدي عندما غادرنا. للصندوق شكل كتاب طُبعت على جنبيه عبارة بالذهبية (ما الخير والشر؟) وأسفلها أسماء الفلاسفة الثلاث (سقراط، أفلاطون، أرسطو)، لم أفهم حينئذ أياً من المكتوب حيث كانت اللغة الإنكليزية بالنسبة لي مجرد أحرف أقوم بربطها كما كنت أؤمن بأن اللغة واحدة نكتبها بأحرف مختلفة. قمتُ بفتح الصندوق الكتاب وإذ أجد على صفحتيه من الداخل رسوم ذهبية لورق اللعب، أربعة أوراق، جميعها تحمل صورة الملكة عدا ورقة كانت مغطاة بالتراب حين قمت بالنفخ عليها، ظهرت ولثوانٍ قليلة عينان صفراوان ثم خرج منهما العفريت.

لا أنكر أن الخوف تملك جسدي بأكمله لحظتها، غير أن لذة ما كانت هناك دفعتني ألا أزيح عيني عنه.
لم ألتق بوجهه حتى الآن، فهو على ما يبدو عفريتاً خجولاً أو أنه يحمل في عينيه ما لا يسر، كان كلما أخرجته للحيّز المكاني يتمشى مديراً ظهره إليّ ومستنداً إلى الجدران.

قد يتبادر إلى الذهن أنه كائن مخيف ذو نية خبيثة وهيئة مرعبة، إلا أنه في حقيقته مجرد كائن آخر غير ما اعتادته عين البشريّ المتهكّمة. له صفاتنا الطبيعية، رأس ويدين وقدمين، جسد رخاميّ أسود وعلى رأسه تنبت زهور ورديّة، يبدو أنها شعره.

ارتأيتُ أن أقوم بتعليمه لغة ما حتى أعرفه أكثر وما عرفته حقاً أنه يحمل ذات الفكرة الطفولية بأن اللغة هي واحدة وأن الأحرف _بمختلف أشكالها_ هي مجرد إعلان لها. صرنا نتبادل الرسائل التي لم تكن تستغرق وقتاً طويلاً لتصل، من زاوية إلى زاوية.

في أول رسالة كتب باللغة الإنكليزية وكان فكّها بسيطاً للغاية، لغة شبيهة بلغة الفرانكو التي يكتب بها الشباب الآن ولكن باللهجة العربية الفصحى. كتب فيها أن خروجه من الصندوق لأول مرة كان شيئاً آخر غير الظلام.
كتب باقتضاب محاولاً فهم ما كان وما الذي يكون.
في الرسالة الثانية كتب بالأحرف الفرنسية أي قام بمزج الحروف وكتب بالأحرف الصوتية النغمية الكثيرة. يقول فيها أنه وخلال المدة التي قضاها هنا فطن أن الأمور التي بالإمكان معرفتها في الضوء ليست بأكثر من تلك التي في الظلام.

كتبتُ إليهِ على عجل بأن لا، وأنه تفوته الكثير مما لا يمكن للظلام إظهاره.

لم يرسل بعدها أي رسالة لأشهر طويلة وحين قررت أن أصرف النظر عاد وأرسل خطاباً بلغة غريبة، بعد بحث عرفت أنها الكتابة الديوناكري (اللغة الهندية) كان لأحرفها شكل ورشاقة خاصة وترتبط جميعها بخطوط أفقية فوق الحروف لتربطها ببعضها البعض. استغرقني المكتوب أياماً لأفكّ معناه وكان ما يلي:

"كنت قد استعرت شيئاً يشبه الذي أعيش فيه وشيئاً عليه حروف دي في دي من مكتبتك. لم أتمكن من قراءة الشيء الأول في الظلام. لم أفهم ما يدور/ ما مكتوب في الشيء الثاني".

أرسلت إليه أن هذا ما عنيته في الرسالة السابقة.

بعد أسبوع عاد وأرسل بالإنكليزية (الفرانكو) وهذه المرة كتبها كلهجة عراقية،

"جربت أنام برا الظلام وبكل الأماكن بس ما نجحت، كلما ييجي النوم لعيني يفيض الظلام حوالية، مو ظلام عادي لا، يشبه گير الشوارع. العفريت رح يرجع لمكانه، هناك ينام بدون رعب، أو يمكن برعب مألوف ما يخوف أبد".

لم ألتقهِ منذ حينها ولم أشعر بحاجة لمعرفة أي شيء عنه، إن اختيار الظلام هو عجرفة كاملة.
أما اليوم فالشعور ملحّ لأستحضره هنا مرة أخرى ولو بداعي المرح. أتمشى إلى الصندوق وأفتحه وانفض الغبار من داخله، يخرج العفريت مديراً ظهره، يبدو شعره/ وروده ونباتاته قد طالت كثيراً وتغطي ظهره كاملاً الآن.

لا أنام ليومين متتاليين، بانتظار أن يكتب أو يتمشى لكنه لا يفعل. وفي الظهيرة الثالثة أقرر أن أغفو قليلاً.
عند تلك اللحظة بالضبط التي أغلق فيها عيني يدير وجهه ثم يذوب بشكل كامل.

لا يفض نومي بالظلام بل بزهور ورديّة تفوح بالاكتشاف.

الرسم: آية چلبي.