الأحد، 10 يناير 2016

هل وجود فكرتين.. تعني وجود واقعين؟

فكرت لو أن عندي رغبة بالخروج حالا من البيت والوقوف بأكثر الأماكن زحمة لأصرخ للناس: أحبكم! احبكم جميعا دون أي استثناء، وأن جميع ما يبدر مني من افعال تبدو لناظريكم شريرة أو مكروهة، فهي نابعة من خجلي وافكاري العائمة في نور غير نوركم، والتي لا تملك القدرة على التفكير بكم، إنه لأمر خارج نطاق السيطرة.
سألته حين كان مستغرقا في كتابة فكرة ما؛ هل سابدو ساذجة او ضعيفة لو قمت بهذا التصرف، فأخبرني بعد لحظة تفكير بسيطة:
-ستبدين حقيقية
وعاد يواصل ما يكتبه، كأن تصريحه او تحليله هذا كان موجودا في فمه منذ وقت طويل.. منذ الأزل، وقد قاله لي الآن، كما تمنح الأم طفلها وعدا هامشيا لشيء ما،
كما عادته، كان يضرب الورق بقوة حين يكتب، وكان صوت احتكاك الرصاص بالورقة وصوت الناس حولنا يؤلفان لوحة جميلة: خمسة الآف شجرة بلوط هرمة، رسمت بشكل تجريدي في الخلفية، وفي المقدمة زهرة قرنفل خجلة تتصدر اللوحة وقد رسمت بطريقة انطباعية منحتها انحناءة حزن كاملة.
إنه يشبه طيور النوارس التي تقف على خط الأفق، بعيدا عن الآخرين، عن تصفيقهم وشجاراتهم وضحكاتهم وقبلاتهم ونظرات عينيهم المترددة، يقف بعيدا عما يشترون وعما يأكلون، لا يهمه لمن يصلون وبم يرفعون ايديهم ولمن يشعلون شموع الكنائس، لكنه يشعر بقلوبهم الممتلئة بذات الاماني: الطمأنينة والسعادة وشخص في زاوية ما في هذه الأرض، ويحاول أن يفهم الاشياء لأنه مدفوع برغبة كبيرة في الفهم والمعرفة، إنه لا يملك أدنى رغبة بالجلوس أمام أحد ما للخوض في نقاش وجدال، ويكفيه أن يوفر هذا الوقت في أن نجلس معا ونتحدث عن العالم والأفكار والذرات، إننا نتحدث دون أن نخوض في جدال رغم اختلاف افكارنا، لكنها الرغبة في فتح الفم واستعمال اللغة مع من نحب!
على يساري، كان هناك رجل مسن وطفل صغير يبدو حفيده، وهما يلعبان الشطرنج، كانا يتحدثان البريطانية ويتناولان العصير من الكأس نفسه، لم ينزع العجوز عنه ملابسه الشتوية الثقيلة، رأسه يغوص في اللفاف الأحمر ووجهه يستدير بيباس مع رقبته، لقد بدا لي وبطريقة ما طفلا، واحسست بالعطف والمحبة تجاهه أكثر من حفيده الذي كان يضع حجر الشطرنج في فمه قبل أن يغير مكانها على مربعات الارضية الحمراء والبيضاء. قال لي صديقي:
-أظن أن الصبي بحاجة لورقة بستوني وسيغلب!
-لكنهما يلعبان الشطرنج!
خرجت الجملة من فمي كما لو أنها هي الأخرى محشورة فيه منذ الأزل. ابتسم وقال أننا جميعنا أطفال، هناك لحظة ما تحيل أي انسان لطفل، وأن الفضول هو الطريق الوحيد لاستدامة طفولتنا بمسؤولية.
وقد دفعتني مزحته للفضول والتساءل:
-ما هي الحقيقة؟ هل يلعبان الشطرنج أم الورق؟ وما معنى أني كنت سأكون حقيقية لو خرجت للشارع وصرخت أحبكم؟
قال لي أن الحقيقة تعتمد على تعريفنا للمادة، ما شكل الشطرنج؟ مربعات حمراء وبيضاء واحجار خشبية باشكالها الستة، اذا لو صادفنا شيئا ما بهذه الصفات سنعرف بأنه شطرنج. لكني تساءلت ماذا لو أني مصابة بعمى الوان وبالتالي ارى الاحمر اخضرا، هل ستكون حقيقة منتقصة عن حقيقته؟
أغلق مفكرته، ومد يديه مشيرا خلفي، استدرت، كان هناك ثلاث شبان لم اتبين ملامحهم يضعون غيتارات ويغنون بصوت جميل. لم ينتبه لاعبا الشطرنج للضجة التي احدثها الشبان في المكتبة وواصلا اللعب والحديث وتناول العصير. قال صديقي أن جميع الناس سيضحكون علي لو أني خرجت وصرخت بحبي لهم، لكن ذلك لا ينفي صدق فكرتي، فهم رغم ذلك طيبون، جميعهم ممتلئين برغبة كبيرة في الخروج والصراخ والعناق والبكاء والندم، إننا في حقيقة الأمر نملك ذات العواطف وإن تفاوتت رغبتنا بها، وان ما يمنعنا فقط هو أننا كبرنا، ووجودنا الطفولي الحاضر محكوم بالمسؤولية وبخيوط من نور أزرق..
بينما كان يتحدث، تبينت ملامح الشباب، كانوا فرقة البيتلز، وسماء ومبتسمون ولم تمس تجعيدة واحدة وجههم، كانوا يغنون شيئا ما ويصيحون الحب الحب، وقفوا حول طاولتينا وواصلو الغناء بصوت عذب، همست لصديقي أين المطرب الرابع، قال لي أن المطرب الغائب هو من ألف الأغنية.. وهو موجود بالطبع في مكان ما في ذهني.
في تلك اللحظة، أنهى لاعبا الشطرنج اللعبة، وأطبقا لوحهم دون أن اتأكد من لوني الأرضية، واخذا ينظران للفرقة بإعجاب.

هناك تعليق واحد: