الأحد، 14 يوليو 2019

قصص النساء والألوان










1



أمس، حلمتُ بأني في رحلة.

أول أمس، حلمتُ بأنّي تسببتُ في جريمة قتل.

اليوم الذي سبقهما (الأثنين)، حلمتُ بأني حصلتُ على هدية.



2

أمس، حلمتُ أني ذهبتُ في رحلة بباخرة من زجاج مزيّنة بنقوشٍ مسمارية.

أول أمس، حلمتُ بأني تسببُ في جريمة قتل قرد بنفسجيّ اللون كان مختبئاً في بيت خالتي.

اليوم الذي سبقهُما (الأثنين)، حلمتُ بأني حصلتُ على هدية من حبيبي الذي يعرف ولهي بالقطط. أهداني قطّة ذات عيون خضراء.



3

أمس، حلمتُ بأني في رحلة بباخرة زجاجية مزيّنة بنقوشٍ مسماريّة. النقوش محفورة بعناية ومعبئة باللون الذهبيّ والارجوانيّ. كنت عنصراً في حلم، لستُ على دراية بماهيّتي. وكما هي الحال في قصص المغامرات عادة رافقني صبيّ في عمر السادسة وكانت عيناه تلتمعان أمام النقوش بدهشة الرؤية الأولى. أُقدّر أننا كنا فقراء أو لصوص لأن موضع تواجدنا كان في الطابق الأسفل حيث بالإمكان رؤية الأسماك بعيونها التي تنظر برعب والصخور الغائصة في الطحالب ووهج القناديل. كنّا في المنطقة الأكثر هشاشة وظلاماً في السفينة، غير أن وجود هذا الكم من النقوش والرسوم حبس أنفاسنا وصرنا ننظر إليها متجاهلين الإدراك كلّه.



أخبرني الصبيّ ذا القبعة البنيّة أنه قبل وصولي للمكان كان يجوب السفينة وأن الخطوات فيها خفيفة مثل التمشي على الشاطئ أيام الربيع. وأنه أثناء جولته تلك التقى رجالاً كثر لا يستر جسدهم سوى وشاح أزرق هو ذاته الذي يلبسه جميعهم وأنهم يبالغون بوضع الحلي حتى ليبدو جزء من ذواتهم. لم يلتقِ الفتى بأي امرأة، فهمس لي وهو يرتعش بأن له ظنون قويّة أن الحلي التي يرتدونها ونقوش السفينة المذهبة هي إرث النساء اللاتي لا نعرف في أي بُعد هنّ الآن.

أخافني وألهمني فاهتدينا لفكرة أن ننتزع ما في نقوش الجدار. كانت للصبي روحٌ شيطانيّة بإمكانها استحضار وحلّ أي شيء. أخرج يديه من جيبه وقد رأيت بوضوح أن لهُ أظافر طويلة، وإن لم تخنّي الذاكرة، كانت مجبولة من الحديد. مدّ الفتى يده إلى حرف يشبه حرف ال Y في الإنكليزية مع خطوط على جانبيه وانتزعه من مكانه. كنّا مندهشين حتى أني خشيتُ أن أُبالغ في الفرحة فتنتابني اليقظة. لكن اليقظة حتميّة، فبعدما انتزع الفتى الحرف صار مكانه فارغاً وبدأت قطرات المياه تقطّر منه ثم سرعان ما حلّ الفيضان كلّه.





سبب هروبي الفعليّ لهذه السفينة، هو أني كنت في بيت خالتي القريب من الميناء قبلها بيوم. بيت خالتي هو بيت الضجيج واللافهم فقد انجبت سبعة صبيان وفتاتين ذوي أعمار متقاربة. زوجها خبير في صناعة الخواتم ذات الأحجار الكريمة وهي ربّة منزل لا تجيد الطبخ.

في بداية زيجتهم، كانت مشاكلهم في الغالب بسبب أنها لا تجيد الطبخ مما يضطر زوجها لحجز مبلغ شهريّ لطلب الطعام من المطاعم. في النهاية قدمت حلّاً لزوجها وهو أن تحوّل هوايتها وعملها الذي تجيده إلى مهنة تنتفع بها. كانت تجيد الحياكة وتتلذذ بالجلوس وحيدة أو محاطة بأحفادها لتحيك لهم ولألعابهم. قام أبنها الأكبر بعمل صفحة على الانستغرام ليروّج لبضاعة أمّه وقد لاقت الفكرة نجاحاً ونوع من الاستحسان من قبل الأب. صارت خالتي تحيك حقائباً وملابساً للأطفال وسلالاً لأصص النباتات ولوحات زينة لصالات الاستقبال، حتى أن زوجها استبدل علب الخواتم الكارتونيّة بكيسٍ تصنعه زوجتهُ من صوفها وعزلتها.



غير أني لم أجد خالتي ذلك اليوم وكان البيت فوضويّ فوق عادته حينها. أخبرني زوجها بامتعاض أنها غادرت ولم تعُد. هدأتهُ بأني سأنظف البيت واُساعد أطفاله الطلاب في تمارينهم المدرسيّة. كان بيتهم يتكوّن من غرفة الصالة وغرفة النوم. كانت لخالتي زاويتها الخاصة التي حفرتها في الحائط لتضع فيها  كرات الصوف، فكرتُ أن أذهب إلى هناك عليّ أجدُ شيئاً خلّفتهُ وراءها. أصابني الذعر حين رأيت غوريلا بنفسجيّة اللون في تلك الكوّة داخل الحائط، غوريلا لها عينان لا تطلقان سوى الشرر تجاهي. صرخت دون أن اسمع صوتي فجاء زوج خالتي وسحبني إلى الصالة ثم أقفل الباب. ذهبت إلى الأطفال ورويت لهم ما جرى حتى ثملوا من الضحك والسخرية. عندما خرج أبوهم كان يداه داميتان وغيّمت وجوه الأطفال وصار جميعهم يصرخون بشيء لم أفهمه لكنه يحملُ طعم المرارة والملامة.





كنت قد ذهبتُ يومها لبيت خالتي لأن قلبي كان مكسوراً. ففي اليوم السابق لهذه الزيارة حصلتُ على هدية من حبيبي الذي يعرف ولهي بالقطط. أهداني قطّة ذات عيون خضراء. كانت بشرتها عجائبيّة أقرب لأن تكوناً الماساً وليست شعراً.

حبيبي هذا كان قد اتفق مع زوج خالتي أن يعمل معه في صناعة الخواتم ويقوم بتسويقها بين معارفه. كان شاباً شاحباً لا يجيد الكلام لكنه يجيد الثرثرة التي تخفي ندب الروح. ادهشتني القطة التي اعتادت عليّ منذ أن لمستها لأول مرة وصارت تلعقُ بقايا شطيرة التونا عن أصابعي.

كان حبيبي يتحدث عن مشاكل خالتي وزوجها وأن رأى أحد أبنائهم يدخّن سراً وأنه سمع بابنتهم الصغرى تتهرب من حصص الرياضيات لتلعب الحبل مع فتاتين سيئتي السمعة في المنطقة. نظرت إلى القطة، كانت تحفر رأسها في قدمي اليُسرى وما هي إلا ثوانيٍ حتى كان رأسها ورقبتها في فخذي الأيسر بالطبع. لم يكن الأمر مؤلماً بقدر ثقله وبقدر قدرته على إطفاء أعنف شرارات أفكاري. لم يهتم الشاب الواقف هناك لما يحدث وواصل حديثه وأنا أحاول إخراجها من جلدي. صار المشهد كوميدياً رخيصاً للغاية: رجل شاحب ثرثار وفتاة بأصابع متسخة تسحب قطة من ذيلها لإخراجها من فخذها. قهقهتُ بألم وأحكمتُ إغلاق عيني كي تلمسني اليقظة الحقيقية.


الصورة: Keyvan Mahjoor








الاثنين، 1 يوليو 2019

مقطع من قصة

إنطلق علي مع أمه لجلب كوز آيس كريم آخر، كان سعد ينظر إليه، يحبُّ أن يتأمل مشيته الغير متوازنةوكأنه بطة.
خلف إحدى أكشاك بيع الألعاب كانت الفتاة المراهقة تتبادل رقم هاتفها مع الشاب الذي ارتطمت بهِ على متن الأرجوحة.
كانا آخر ما رآه سعد قبل أن يحدث الإنفجار، ثوانٍ بيضاء تشبه أن يلتقط الموت صورة للمشهد وما هي إلا لحظات يشعر فيها الإنسان بأن العالم غرفة واحدة تأتيها الصيحات من كل نافذة وفم.

زحفَ سعد ثمّ حبى حتى يبحث عنهما. عثر على زوجته أولاً، كانت غارقة في بقعة دم واحشائها مختلطة بأحشاء وأجزاء الجثث الأخرى. أما علي فكان من السهل تمييز شعره الأشقر وقميصه الخمريّ، وجده مرمياً على حافة الرصيف، لم يتعرف سوى على شعره الأشقر وعينيه الزرقاوين المفتوحتين بذعر لم يسبق أن رآهُ فيهما. عندما وقف سعد لرفع إبنه تفاجأ بأنه يبدو من المنظور الأعلى أشبه بالأخطبوط. لقد تمزّق جسد علي الحبيب إلى شرائط.


يشعرُ سعد بأن فقدان الزوجة الحبيبة يجمع بينه وبين جاره الذي يتقدمه بخطواتٍ كثيرة إلى الغرفة.
لم يكن سعد قد زار هذه الغرفة منذ استأجرها، ولم يستغرب إنطلاق هيكل عظميّ لطائر فور أن فتحا الباب. باشر جاره بلملمة خيوط العناكب من الزوايا دون أن ينتظر امراً من سعد.

كانت الغرفة مؤثثة بطاولة للكتابة وكرسيّ فقط. رفع سعد تمثالاً صغيراً عن الطاولة لفتاة تحمل نجمة، قلّبه بين يديه، كان مكتوباً في اسفله: (ملاك النور). إنها واحدة من تلك التماثيل الحجرية التي تُباع في الأسواق الفنلندية باسامٍ ملائكية: ملاك النور، ملاك الحب، ملاك الصداقة.
نظر إلى جاره الذي وظّف حركات يديه النشيطين بالتنظيف وكأنه في مكان آخر منعزل، دون أن ينتبه لسعد والقذارات والجدران وصوت الأمواج القادم من النافذة. أثارت طريقة حديث جاره فضوله، طريقة منمقة وكأنه يلقي دوراً في مسرحية، لا بل في فيلم سينمائيّ مُحكم.

-برأيك أين سيحط ذلك الطائر؟ سأله سعد.
-عند السيد جمناستك طبعاً.
-الرجل النتن أبو لحية صفراء؟
توقّف عن العمل وأدار وجهه:
-أجل. طبعاً. على فكرة أنا من صبغت لحيته. إذا تحتاج أي خدمة في الصبغ أنا بالخدمة وببلاش.

تبدو الحياة صفراء من النافذة، صفرة تصبغ كل شيء. عندما ينقّل سعد عينيه بين الصخور تنتابه مرارة السينما وحركات الكاميرا التي لا يفكر بالعودة إليها قدر حلمه بأن يخلق لحظة يشتهيها. يفكّر بابنه علي مجدداً، هذه الهواجس تستغرق الكثير من وقته بل وتبدو أقرب لخلفية حياته كلها.
يخطر له القرار.
يبدو البحر هادئاً، هناك شكل نصف دائريّ هو وحده الذي تشغله الأمواج، المنظر عظيم، يمكنه كذلك أن يكون مادة خام لفكرة فيلم.
-إبني موجود هنا. أريدك أن ترسمه كما يجب أن يبدو الآن.
كان الجار قد دلق سطل الماء الدافئ وانهى شطف نصف الأرضية.
-الله يرحمه. لننته من الغرفة الآن ونرسمه لاحقاً.
وواصل التنظيف.
ما عادت ردود جاره تفاجئه أو تجعله يشعر بالتفوّق الإنساني على رجل يتحدث مثل فيلم. صار يحترم كلماته.
-الله أنعم عليّ بحاسة شمّ فريدة. بالشم اهتديتُ لإبنك وبه سأجد سبيلاً لزوجتي.



اللوحة: علي آل تاجر