الأربعاء، 13 مارس 2019

الطفلة المُسافرة










خُيّل إليّ أن قطعة السكّر التي رميتها إلى فنجان القهوة قد انتفضت من بعدها القهوة بشكل امرأة رشيقة القوام. ثوانٍ ثم عادت إلى وجودها داخل الكوب. لم تلفتني سوى أن مخيّلتي لا يزال بإمكانها أن تلحظ شيئاً، أما الجسد وحدوده فلم يعد يعني لي شيئاً منذ وقت لا استطيعُ العودة إليه. آخر مرة طالعتُ فيها جسدي بتمعن وفهم كانت أول مرة كذلك، كان شعوراً مؤقتاً بالحريّة ليس بالإمكان تكراره.
حدث ذلك في يوم مغبر من أيّام طفولتي، كنتُ عائداً من المدرسة بصحبة يحيى ولينا ورندا وكان كلّ منهم يتحدث في موضوع مختلف عمّا يقوله الآخر، أما أنا فكنتُ أنظرُ إلى خدّي رندا المكتنزين وتنتابني ضحكة ورغبة ملحّة لأعتصرهُما بأصابعي. كانت رندا تطلب من صديقتها لينا أن تكف عن مناداتها بأختي وتتوعدها بأنه سيكون خصام أبديّ لو أعادت الكرّة. لم يفهم أحدٌ منا رغبة رندا هذه، رغم أننا أصدقاء وبيننا عهدٌ بأن نلتقي كل يوم قرب شجرة الصنوبر المنتصبة في بداية الغابة ومن هناك نذهب للمدرسة سويّة ونتشارك اللعب في الباحة ونعود سوية. عارض المعلّمون واولياء أمورنا تجمعنا في المدرسة واخذوا الأمر على محمل السخرية، عندما قدمنا أسبابنا في اجتماعنا المشترك رأيتُ في عيونهم كيف نجتمع نحن الأربعة داخل سحابة طفوليّة ورديّة باهتة.
لاحقاً صار الطلاب الأجانب الآخرون يحذون حذونا ويُشكّلون مجاميع صغيرة داخل المدرسة وفي الشوارع، فلم يكن أمامنا حلٌ آخر أمام المتنمرين والعنصريين من الفنلنديين، كانوا هم حكاية رعبنا الطفوليّة، لذا وبتكويننا لفريقنا الصغير صار شعور الأمان يصاحبنا، أمان بأن التعرض لأحدنا يعني أن ندافع عنه نحن البقيّة بكل ما نملك، كان عقداً مبرماً بالاندفاع الطفوليّ الذي لا يكسرهُ شيء.
عند شجرة الصنوبر الضخمة نفترق، تذهب لينا إلى بيتها الواقع على الجهة الأخرى للغابة ويقف يحيى يراقبها حتى تصل إلى باب البناية وتتلاشى في انعكاس السماء على زجاجها. أما أنا ورندا فنمشي الطريق ذاته، هي جارتي في الطابق الذي يعلو شقتنا.
كان يحيى ولينا لا يزالا يتجادلان حول كلمة فنلندية قد تعلمها يحيى اليوم وهو يرددها للينا دون أن يذكر لها معناها بالعربية. مضيت مع رندا تحت اطراف غصون الشجر المتهادية بظلالها على الإسفلت وكنتُ اُحدقُ بأنفها العريض كأنه الفاكهة الوحيدة في المكان. وكما لو أن انفها تنبّه لتحديقي، عطست مرتين متتابعتين وعندما ارجعت رأسها رأيتُ البيت الطينيّ لأول مرة داخل الغابة. كانت تعلو جدران البيت الصغير نقوشاً مثلثة كُوّنت بحفر دوائر صغيرة، وعند الباب يجلس رجلٌ يرتدي جلباباً أزرقاً وعلى رأسهِ منديلاً أبيضاً. عندما وصلنا إليه كان يمسح العرق عن وجهه.
بالنسبة لجسده الضخم والفارع بدونا صغيرين للغاية واضطررنا أن نرفع رأسينا عالياً لنطلب إذنا بالدخول. أشار بالمنديل أن ندخل وقال:

-جوّا اكو بس كتب.

قفزت رندا إلى الداخل وتبعتها. كان البيت عبارة عن غرفة واحدة ملآى بأبراجٍ من الكتُب القديمة، كتب مُسندة بشكل عشوائيّ إلى الجدران وعلى الرفوف الطينيّة وفي الزوايا وجميعها تحمل عناويناً باللغة العربية، كانت أشعة الشمس تنفذُ من الثقوب التي شكّلت الأشكال الهندسيّة على الجدران الخارجيّة وتتوزّع على الكتب والأرضيّة. هناك مرآة مسنودة إلى الجدار بشكلٍ عموديّ اكتشفتها رندا. وقفنا متجاورين أمامها، اكتشفت لحظتها أن كتفيّ رندا رقيقين ومتساويين مقارنة بكتفاي العريضين. أشارت رندا إلى انعكاس قدمها اليُسرى في المرآة وقالت:

-هل رأيت من قبل وحمتي هذه؟ تشبه رأس دب.

كانت هناك بالفعل وحمة حمراء لكنها بدت لي وردة جوري.
رحنا نتمشى بين أبراج الكتب وبدت لنا هذه الغرفة الصغيرة مدينة كاملة، كنتُ اقرأ العناوين بصوتٍ عالٍ ورندا تلمس الأغلفة كأنها تُداعب حيواناً أليفاً. لا اذكرُ حتى هذه اللحظة أسامي الكتب التي كنا نمرّ عليها، لكن العثور على ذلك المكان كان اعجوبتي واللون الذي لطخ حياتي للأبد.

-تعرف ما هي الكلمة التي كان يرددها يحيى اليوم؟ كان يقول للينا أحبّك بالفنلنديّة.

ودون أن تنتظر صوتي، سحبت كتيباً كان موضوعاً داخل كتاب ضخم، كان على الكُتيب صورة وجهيّ رجل وامرأة على وشك تقبيل بعضهُما، وخرجت تسألُ الرجل عن سعرهِ. واصلتُ قراءتي لعناوين الكتاب بنهم وانفجر داخل قلبي شرخٌ عميق تبيّن لي لاحقاً أنهُ لا يُملأ سوى بالقراءة. اثناء تجوالي وجدتني أمام المرآة العموديّة مرة أخرى، وقفت أمامها بفكرٍ فارغ وهادئ تماماً وقررتُ أن انزع عني ثيابي واراني، رحتُ انزعُ ملابسي الشتويّة قطعة بعد الأخرى بحذر، حتى وجدتني باللباس الداخلي فقط والملابس منثورة حولي وانتابتني فطريّاً افكار وصوّر عن ماهيّة جسد رندا لو أنها تقف جواري الآن، خلصتُ حينها أن لها الجسد ذاته إلا أن بشرتها بيضاء يمكن لي رؤية تفرّعات شرايينها والأوردة، كما هو الحال مع جبينها عندما تغضب وتضحك.
القيتُ نظرة على الباب حيث كان كتف الرجل لا يزالُ ساكناً. كانت فكرة نزع سروالي الداخليّ مرعبة وذنب قد يكون لوثة أبديّة للروح، لكنني نزعتهُ ورميتهُ بعيداً ورحتُ أنظر إلى جسدي مشدوهاً بهذهِ اللوحة. انتابتني وخزات خوف واستغراب لكن شعور الخفّة الذي احسستهُ دفعني اني أدور حول نفسي واضحكُ بانتشاءٍ.
لاحقاً بعد أن ارتديتُ ثيابي تنبّهتُ لتأخُر رندا وخرجتُ للرجل اسأله. لوّح لي بمنديله وقال أنها اخذت الكتاب وغادرت.

-ألا تشعرُ بالبرد عمو؟

أشار إليّ بالمنديل المبلّل وفهمت. غير أني لم افهم وجوده الصحراويّ بين هذه الأشجار المُثقلة بالثلج.
لم تحضر رندا إلى المدرسة في اليوم اللاحق ولا بعده، بل لم تأتِ للأبد ولم يأتِ والداها للمدرسة ولم أجد احداً في المنزل حين ذهبتُ اطرقُ الباب والدمع في عيني، عندما سألتُ عنها في المدرسة كانت عيونهم تنظر إليّ بذعر ولم أجد أي فمّ بشريّ يخبرني شيئاً عن رندا. المكان الأخير الذي قصدته للبحث عنها كان البيت الطينيّ في الغابة، غير أني لم أجده ولم اتكبّل عناء البحث عنه كثيراً، فكما توقّعت منذ أول لحظة لمحتهُ فيها من خلال أنف رندا، اختفى، وكأنه لم يوجد سوى في مخيلة الطفل الذي كنتهُ.

***

اُدعى أبو علي، رغم أن علي ليس لهُ وجود، مجرد اسم يلقيه الناس إلى المُستقبل. اعيشُ مع زوجتي ابنة عمّي منذُ ثلاثين عاماً. اختار والدها حياة بغداد منذ أول يوم تزوّج فيه وعاش هناك بقيّة حياته، كان يزورنا بين حين وآخر حاملاً الهدايا التي يصنعها بيديه، مراوح يدويّة وسلال من السعف، لوائح فخاريّة مزيّنة بنقوشٍ نباتيّة، مخدّات بحجم راحة اليد منقوشٌ عليها اسامي الولادات الحديثة التي سمع عنها. آخر مرة زارنا فيها اصطحب معه ابنته الوحيدة زكيّة، كانت في السابعة عشر من عمرها تميّزها شامة متوسّطة الحجم على يسار شفتها العُليا وشعر طويل كأنها لم تقصصهُ منذ الولادة. لم اقع في حبّها من النظرة الأولى ولا من أي نظرة، بل بدونا وكأننا قطعتيّ صلصال يمتزجُ كلانا بالآخر. لبث عمّي وقتاً أطول هذه المرة بسبب تأزُّم حالة جدّي الصحيّة،  كان جميع افراد العائلة حتى البعيدين منشغلين بمرض الجدّ وسعاله الذي ينتهي بكتلة دمويّة على المنديل، وكنتُ مع زكيّة في سعادة باردة ونحن نلتقي بشكلٍ يوميّ دون خوف وريبة. أحاديثنا كانت بلا قيد لأننا اكتشفنا بعد جلسات قليلة أن لنا الرأي ذاته في كلّ شيء، لم نختلف في ايّ شيء. منذ ذلك اليوم وأنا اسأل نفسي كيف بالإمكان ذلك؟
لم يؤثر أي شيء على هذه السعادة والطمأنينة، حتى وفاة جدّي وبكاء والدينا وامتلاء المنزل بالوجوه الحزينة والطامعة والأجساد الملفوفة بالسواد والخفاء الأبديّ، كانت لا تزال سعادة باردة وطريّة.
لم يتوقع أحد أن والد زكيّة سوف يُغادر بعد العزاء مباشرة وقد هزّني النبأ ببساطتهِ لأن صوتاً داخل رأسي كان يقول أن رحيل زكيّة يعني فراقٌ أبديّ، لذا حكيتُ لأبي وأميّ ما بيننا دون أن اُعير اهميّة أنه اليوم الثاني للعزاء وقلت لهم هاجسي بصدق وأنا الهثُ وكأني مُلاحق بزوال الزمن. كان لأمّي دور كبير بأن تقنع أبي الذي نهرني لحظتها واخذني من ياقتي إلى الشارع. بعد مرور أسبوع كان والدي قد طلب من عمّي أن يمدّد زيارته لأمر طارئ واجتمعنا في بيت جدّي. كان الحزن لا يزال يخيّم في المكان لكن لونه قد أخذ يصيرُ رماديّاً. أخذ أبي يحكي وهو يفرك يديه المحمرّتين وعينيه تتّبعان النقوش الملتوية على السجّاد. ردّ عمّي بنبرة فاترة مُتعالية:
-لم تُوجد ابنتي لحياة كهذه.
كنتُ خائفاً دون أي فكرة في رأسي، جلّ ما فعلتهُ أن تابعتُ ايمائات وملامح وجوه الجالسين. كلّها متوجّسة وحانقة عدا وجه زكيّة التي كانت تنظر لصور جدّي بلا مُبالاة تامّة، في تلك اللحظة كذلك كنتُ اشعرُ بذات السعادة الباردة والمُطمئنّة. وقفت زكيّة وسوَّت طرف فستانها وارجعت خصلة من شعرها إلى وراء كتفها وقالت:

-ليس عندي شيء في بغداد. سأبقى هنا واتزوّج ابن عمّي.

تبادلت نظرات طويلة مع عمّي ثم لا أعرف ما الذي حدث بينهُما بعد ذلك. غادر عمّي ولم يعُد واكتفينا نحن بزيارته بين حينٍ وآخر
أحببنا بعضنا بإنسانيّة وحذر وكأن قلب الآخر حبّة فخار مركونة على حافة العالم. كنتُ مجنوناً وعزمتُ في قرارة نفسي أن أضع العالم كلّه بين يديّ زكيّة. عملتُ بستانيّاً ومصلّح أثاث وفراشاً في مدرسة وكنتُ احرص على ملئ البيت بشتّى أنواع الفواكه واوصيتُ خيّاطة الحيّ أن تسلّمني فستاناً جديداً لزكيّة عند نهاية كل شهر ووفرتُ كذلك مبلغاً لشراء كتاباً كل شهر. كانت زكيّة مولّعة بالقصص وكلّ ما ليس لهُ صلة بالقرية، وكانت تقرأ لي أحياناً صفحات من الكتب أو تروي ملخص كل كتاب عندما تنتهي منه، الاستماع لها وهي تحكي قصة الكتاب جعلني اشعرُ دوماً أنها من تؤلف القصص بنفسها، حريريّة وصادقة.
في أحد اشهر الشتاء ذهبت للخيّاطة بقياساتٍ مختلفة هذه المرة، كنا ننتظرُ طفلاً وكانت السعادة لا تزال باردة. بولادة رندا ازدادت ضحكات البيت وفواكههِ وكتبه، كانت طفلة ضحوكة للغاية منذ أيّامها الأولى. بيتنا كان غرفة واحدة ولم نشأ أن نوسّعه رغم أن رندا كان تكبر وتزداد حاجيّاتها، كانت تنام جوارنا على السرير وتتصفح كتب أمّها على طاولة الطعام. إلا أننا قررنا بناء غرفة مُجاورة لوضع الكتب التي اخذت مساحة كبيرة من البيت. لزكيّة حسّ فطريّ بالجمال وبخلقه، دون أن ترَ أي لوحة في حياتها. عرضت عليّ تصميماً لحائط الغرفة المجاورة وهو أن أقوم بنقش مثلثات بحفر دوائر صغيرة في الحائط، تهوية للغرفة وقيمة جماليّة بوجه الشمس.
بعد أن حصلتُ على وظيفة ثابتة وتمّ الاستعانة بزكيّة كمعلّمة للغة العربية ازدهر حالنا الماليّ وصرنا نشتري كتباً وشتى أنواع الألوان لرندا التي أخذت عن أمها فطرة الجمال والتعطّش للمعرفة، تعلّمت ابنتنا القراءة في مدرسة القرية الوحيدة وصارت تتناوبُ مع أمها في قراءة القصص لي، وفي لحظات غضبها وسخطها كانت ترمي الكتاب وتقول أن اقرأها بنفسك. غير أن زكيّة لم تفعل ذلك مطلقاً ولم تسألني يوماً عن سبب اُميّتي وعدم ارتيادي للمدرسة حتى الآن كما لم اسألها عن تركها للمدرسة وحياة بغداد والبقاء هنا. كان كلانا يفهم أن الآخر هو سبيل معرفته ونجاته الوحيد.
كان يوم الأربعاء والسماء تهتز للهب شمس الصيف. استغليت ذهاب زكيّة وابنتنا في رحلة مدرسيّة لتنظيف الكتب وترتيبها حسب أحجامها والوانها، جعلتُ من الكتب الضخمة ابراجاً في زوايا الغرفة واسندتُها على الجدران أما الكتب الصغيرة والكُتيبات فوضعتها على الرفوف الطينيّة وقمتُ بوضع الكتيبات الصغيرة بين صفحات الكتب الضخمة. سمعتُ صوت امرأتين تنتحبان عند باب بيتنا، لم اُميّز صوت زكيّة التي لم اسمعها تبكي من قبل، كانتا قد دخلتا البيت وهن يجرجرنَ اطراف ثيابهنّ المبلّلة. لم تنطق زكيّة بشيء ووصلت بكاءها بصمت. سحبتني المرأة الأخرى وكانت تعتصرُ طرف عباءتها واخبرتني أن باص النقل المدرسيّ كان يسير على الجسر الفاصل بين الضفتين وجاءت بمواجهته شاحنة محملة بالفاكهة ولأن صاحب الباص قد ذُعر لرؤية الشاحنة تقترب فقد حاول الرجوع للوراء إلا أنه انتهى بالباص ومن فيه بالنهر، كانت تختنق بدموعها وعينيها مثل زجاجتين لوجه غير بشريّ، لم يتمكن الناس من انقاذ الجميع بل لم يتمكنوا من انقاذ اكثر من عشرة أشخاص. ختمت كلامها ويديها على كتفي:

-اذهب لأبنتك، لا يزال جسدها على ضفة النهر.

في الطريق إلى النهر لم تكن عيني ترَ سوى الظلام، وقد بزغت في مخيلتي، التي لم تعرف الفن والجمال يوماً: وجه رندا الجميل في زحمة فواكه كثيرة تتهادى على وجه النهر.

لم تنطق زكيّة بأيّ كلمة منذ يومها وصارت تأخذ كيس الفواكه من يدي وترمه إلى بركة الطين خلف البيت. فقد البيت سعادتهُ الباردة وفقدتُ أنا المعرفة والقصص وكان آخر ما فقدته هي زكيّة نفسها التي قررت الانعزال في غرفة الكتب والانكباب على روايات يستمر ابطالها بحياتهم بعد الموت. ظننت أن الأمر سيستمر لمدة ثم ترمم زكيّة وجهها المغسول بالدموع وتعود لتشاركني رعب العالم، غير أن عزلتها كانت تضيق أكثر وتصير حادة مثل نصل.
أخبرتني مرة وهي تلف عباءتها أنها ذاهبة لزيارة والديها في بغداد وغادرت مثل غيمة صيفيّة. حين عادت كانت تحمل حقيبة ضخمة أدركتُ لاحقاً أنها كتب شعوذة. شاركتني سرّها هذا وقالت أنها ستُعيد رندا قريباً. صارت تذهب إلى أقصى القرية لإصطياد حيوانات وحشرات مختلفة وتبعث برسائل إلى عناوين بعيدة لم أكن سمعت عنها قط، وأخذت تُجري تجارب وفقاً لما تمليهِ عليها الكتب. انتزعت مرآة بيتنا وأسندتها إلى حائط غرفة الكتب وصارت تجلس قبال المرآة وتقوم بتجاربها، ربما كانت تنتظر خروج رندا من المرآة أو لتؤكد لنفسها أنها لم تنسَ طفلتها الوحيدة.
صار لبيتنا لون حزين ورائحة قنفذ عجوز، واتخذ الجيران مواقفهم بسرعة، بعضهم ينظر إلينا مجانين حزانى والآخرون يجلسون في المقاهي ويثرثرون بلزوم اخبار مختار المحلّة بما يجري، كان الناس بإختلاف مواقفهم متخوّفون من ريش وجثث الحيوانات التي ترمها زكيّة في بركة الطين ومن صراخها بعبارات واغانٍ غير مفهومة، لم يكن سكان مدينتنا يؤمنون بأبعاد الحزن، للحزن عندهم بعدان فقط: بكاء وصمت، أما ما تقوم بهِ زكيّة فهو جنون.
أخبرتُ زكيّة بكل ما يجري خارج غرفة الكتب، بالخوف والكره والتوعّد لكنها لم تأبه وكان شرخ الصمت يتعمّق حتى صار بإمكاني أن امدّ يدي إلى حنجرتي ليلاً فلا أجد سوى بضع كلمات قديمة نطقتها في زمن بعيد للغاية. صرتُ معزولاً تماماً عن السعادة، حتى السعادات اللحظية التي توفرها شفاه الناس. بعد مرور أيام طويلة لم احصِها، طرق بابنا مجموعة شباب بزيّ ابيض نظيف وقالوا أنهم مأمورون بالتخلّص من جميع أدوات وكتب الدجل التي تحتفظ بها زكيّة في غرفة الكتب وإلا سيضطر شيوخ المنطقة ومختارها بترحيلنا من المكان.
نزلتُ عند رغبتهم دون أي إيماءة بالموافقة أو الرفض. كانت زكيّة نائمة حين دخلوا فطلبت منهم أن ينظفوا المكان بهدوء. ثم وضعتُ رأسها المتكئ على حِجري وانتبهت أن الدموع قد حفرت مجاريٍ عميقة على وجهها. القيتُ نظرة للمرآة، كنا اشبه بشخصيتي فيلم دون سيناريو، يعبرنا الشباب ذوي الملابس البيضاء ونحن على الأرض. من ينظر سريعاً إلى صورتنا في المرآة سيجدنا عاشقين وديعين، دون حزن وفقد.


اللوحة للفنّان العراقي: علي آل تاجر


يجدر الإشارة إلى أن الحادثة المذكورة في القصة هي اقتباس عن حادثة حقيقية وقعت في قضاء الشطرة- العراق عام ١٩٦٢.