الاثنين، 30 مارس 2020

عفريت الظهيرة






يحملني ضجر الظهيرة على فكرة إخراج العفريت وتقفّي جسده وهو يتمشى بسأم من زاوية إلى أخرى.

كنتُ عثرتُ عليه في صندوق خشبيّ حملتهُ معي من بيت جدي عندما غادرنا. للصندوق شكل كتاب طُبعت على جنبيه عبارة بالذهبية (ما الخير والشر؟) وأسفلها أسماء الفلاسفة الثلاث (سقراط، أفلاطون، أرسطو)، لم أفهم حينئذ أياً من المكتوب حيث كانت اللغة الإنكليزية بالنسبة لي مجرد أحرف أقوم بربطها كما كنت أؤمن بأن اللغة واحدة نكتبها بأحرف مختلفة. قمتُ بفتح الصندوق الكتاب وإذ أجد على صفحتيه من الداخل رسوم ذهبية لورق اللعب، أربعة أوراق، جميعها تحمل صورة الملكة عدا ورقة كانت مغطاة بالتراب حين قمت بالنفخ عليها، ظهرت ولثوانٍ قليلة عينان صفراوان ثم خرج منهما العفريت.

لا أنكر أن الخوف تملك جسدي بأكمله لحظتها، غير أن لذة ما كانت هناك دفعتني ألا أزيح عيني عنه.
لم ألتق بوجهه حتى الآن، فهو على ما يبدو عفريتاً خجولاً أو أنه يحمل في عينيه ما لا يسر، كان كلما أخرجته للحيّز المكاني يتمشى مديراً ظهره إليّ ومستنداً إلى الجدران.

قد يتبادر إلى الذهن أنه كائن مخيف ذو نية خبيثة وهيئة مرعبة، إلا أنه في حقيقته مجرد كائن آخر غير ما اعتادته عين البشريّ المتهكّمة. له صفاتنا الطبيعية، رأس ويدين وقدمين، جسد رخاميّ أسود وعلى رأسه تنبت زهور ورديّة، يبدو أنها شعره.

ارتأيتُ أن أقوم بتعليمه لغة ما حتى أعرفه أكثر وما عرفته حقاً أنه يحمل ذات الفكرة الطفولية بأن اللغة هي واحدة وأن الأحرف _بمختلف أشكالها_ هي مجرد إعلان لها. صرنا نتبادل الرسائل التي لم تكن تستغرق وقتاً طويلاً لتصل، من زاوية إلى زاوية.

في أول رسالة كتب باللغة الإنكليزية وكان فكّها بسيطاً للغاية، لغة شبيهة بلغة الفرانكو التي يكتب بها الشباب الآن ولكن باللهجة العربية الفصحى. كتب فيها أن خروجه من الصندوق لأول مرة كان شيئاً آخر غير الظلام.
كتب باقتضاب محاولاً فهم ما كان وما الذي يكون.
في الرسالة الثانية كتب بالأحرف الفرنسية أي قام بمزج الحروف وكتب بالأحرف الصوتية النغمية الكثيرة. يقول فيها أنه وخلال المدة التي قضاها هنا فطن أن الأمور التي بالإمكان معرفتها في الضوء ليست بأكثر من تلك التي في الظلام.

كتبتُ إليهِ على عجل بأن لا، وأنه تفوته الكثير مما لا يمكن للظلام إظهاره.

لم يرسل بعدها أي رسالة لأشهر طويلة وحين قررت أن أصرف النظر عاد وأرسل خطاباً بلغة غريبة، بعد بحث عرفت أنها الكتابة الديوناكري (اللغة الهندية) كان لأحرفها شكل ورشاقة خاصة وترتبط جميعها بخطوط أفقية فوق الحروف لتربطها ببعضها البعض. استغرقني المكتوب أياماً لأفكّ معناه وكان ما يلي:

"كنت قد استعرت شيئاً يشبه الذي أعيش فيه وشيئاً عليه حروف دي في دي من مكتبتك. لم أتمكن من قراءة الشيء الأول في الظلام. لم أفهم ما يدور/ ما مكتوب في الشيء الثاني".

أرسلت إليه أن هذا ما عنيته في الرسالة السابقة.

بعد أسبوع عاد وأرسل بالإنكليزية (الفرانكو) وهذه المرة كتبها كلهجة عراقية،

"جربت أنام برا الظلام وبكل الأماكن بس ما نجحت، كلما ييجي النوم لعيني يفيض الظلام حوالية، مو ظلام عادي لا، يشبه گير الشوارع. العفريت رح يرجع لمكانه، هناك ينام بدون رعب، أو يمكن برعب مألوف ما يخوف أبد".

لم ألتقهِ منذ حينها ولم أشعر بحاجة لمعرفة أي شيء عنه، إن اختيار الظلام هو عجرفة كاملة.
أما اليوم فالشعور ملحّ لأستحضره هنا مرة أخرى ولو بداعي المرح. أتمشى إلى الصندوق وأفتحه وانفض الغبار من داخله، يخرج العفريت مديراً ظهره، يبدو شعره/ وروده ونباتاته قد طالت كثيراً وتغطي ظهره كاملاً الآن.

لا أنام ليومين متتاليين، بانتظار أن يكتب أو يتمشى لكنه لا يفعل. وفي الظهيرة الثالثة أقرر أن أغفو قليلاً.
عند تلك اللحظة بالضبط التي أغلق فيها عيني يدير وجهه ثم يذوب بشكل كامل.

لا يفض نومي بالظلام بل بزهور ورديّة تفوح بالاكتشاف.

الرسم: آية چلبي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق