الأحد، 6 ديسمبر 2015

الألوان تولد.. الأسود موجود منذ البداية

ما هذا الابيض الذي سقط من علو لتوه؟

هل كان جناح لطير طاعن في العمر.. فستان عرس.. ملاك يتفقد قلوبنا الفارغة.. هل هي قلوبنا إن وجدت من مكان آخر؟

لم أدر وجهي لأسألك.. كان صوتك منشغلا بالحديث وبإلغاء كل سبب للكراهية في العالم، ويضحك بحميمية إن تحدثنا عن الإنسان. عيناك كانتا غاضبتان، يداك واصابعك الطويلة ترتجف حول القلم الأسود وتعصره، وصوتك ينطلق قويا وعذبا، مثل أغنية روك تهز فينا شيئا عند الصباح. ولأني لم اتمكن من الاستدارة وسؤالك عن هذا الأبيض الذي سقط من فضاء ما، فأكتفيت بأن أدرت وجهي واستمعت لصوتك دون محاولة لفهم أي كلمة مما تقول، وهي النعمة الوحيدة التي تتيحها لنا إتقان لغة أخرى (أو الغربة)؛ اللامبالاة، خسارة اذن، الالتصاق بالموسيقى والتكهن بدرجة حرارة المتكلم.

عند البناية المقابلة، كانت هناك فتاة مميزة بثوبها الابيض الرقيق الذي ترتديه اسفل المطر، كانت تهرول تجاه المسبح المجاور، وهنا سأعطي معلومة مهمة قد لا يدري بها الكثير، ان هذا المسبح الزجاجي الذي اعيد افتتاحه الأسبوع الماضي، يقدم خدمة كل يوم اثنين وأربعاء بأسم (غصن ولون)، وهي خدمة تتيح للزبائن حجز موعد للأنتحار أو محاولته، وهذه الفتاة المهرولة لا بد وأن يكون موعدها اليوم.
تبعتها وانا استمع لصوتك وهو يتحدث عن اصل القيم، دخلت إلى المسبح وكان خاليا، وتوجهت إلى جداره الشرقي الذي كان يشكل مرآة كبيرة وراحت ترسم مكياجها من جديد وتعيد كل خصلة إلى مكانها، ثم توجهت إلى الموظف وناولته بطاقة الدخول، كان ماء المسبح صافيا، وكانت اشعة الشمس المنعكسة ترتجف عليه مثلما يفعل القلم بين يديك، ولأن اسفل عيني كانت هناك رواسب لأجسام كثيرة عائمة، فقد رأيت وجهك وشعرك يعومان بهدوء عند طرف المسبح ثم تبخرا ومرا بقدم الفتاة.
مررت لي ورقة، وطلبت مني ان ارسم فتاتين وقطتين، لكني لم اشح عيني عن الفتاة وخفت النظر إليك، فوجهك صلب وعيناك ثابتتان وحين طلبت مني إحدى السيدات المسنات أن أصفك، قلت:
-جميل.. مخيف.. شرير!
ولأني لم ار خلال العشرة دقائق سوى الفتاة، فأنا قمت برسمها في فستانين مختلفين، ورسمت قطتين يحمل انفهما شكل احمر الشفاه الذي وضعته، فأطلقت تنهيدة ساخرة وتابعت الحديث.
خلا المسبح من الجميع، رحل الموظف في استراحة، ولأكن أكثر دقة فأن هذا الرحيل هو الجزء الأهم في عمله، فهي الدقائق التي يتجرد فيها الزبون من الدبابيس التي تلصقه بالحياة، ويبصق بها في وجه الوجود وفي قلبه. صعدت الفتاة إلى منصة القفز وأدارت بوجهها ببطء، كانها تبحث عن ابرة شفافة في زوايا المسبح، ثم ضمت جسدها، وكدت ارى.. بل أسمع نحيب عيناها حين تقلصتا بحزن وخيبة، ثم افلتت خطوة إلى الأمام.. وأخرى إلى الأمام أكثر.
فتحت عيناي بدهشة ونظرت إليك، كان وجهك يشبه طفلا.. بل رجلا انتحب كثيرا ثم نام على عينيه، وكنت مغلفا بالأسود، ملابسك ودفاترك وحتى طرف الطاولة الخشبية، بدأت تتآكل وتستحيل إلى سواد، وكانت هذه الاستحالة تجعل منك لوحة جميلة.. وددت لو الصقها على الورقة وأعلقها في قلبي بدل الفتاتين والقطتين، ورغم أنك لم تنظر إلي الا أن ابتسامة تشبه الفجر كانت تغطي وجهك وتمسح عنه كمده.
ضغطت على قلبي، ونظرت مجددا إلى الفتاة التي طافت على سطح المسبح، بدت مثل دائرة يرسمها طفل أو قصاصة حب يتبادلها مراهقين، بدت مثل فستان عرس.. أو جناح طير طاعن بالعمر، ربت على يدي وقلت لي:
-إنها تشبه كل شيء أبيض لكنها لم تكن تشبه مطلقا؛ فتاة تنام على بطنها وتنتحب.
شددت وجهك إلي، جعلته اقرب من ملامحي ورأيت في عينيك بريقا لامعا، كان هناك شي ابيض يلتمع في عينيك، ومن طرفيه إمتدت يدان وقدمان ناعمتين. أجفلت واغلقت عينيك بالحال وسألتك:
-ما الذي سقط توا من السماء؟
-طفولتي.. قلبي.. أسناني.. فأنا لم ابدأ بعد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق