الثلاثاء، 15 يونيو 2021

أجزاء شيطانيّة


كان له وجهاً يشبه وجه الفأر بالضبط. ولطالما حاولت بهذا الوصف أن تنقل شعورها المتعاظم بالإعجاب به لمن تعرفهم، ولكنها -بطبيعة الحال- كانت تفشل بذلك. لإن ما يخطر ببال المستمع هي صور لا تسرّ تسترجع ملامحه لإن عادة يقوم الإنسان بتقييم ملامحه أمام المرآة حين يقع بالحب. ولكن هل يلغي ذلك أن عينيّ الإنسان ليستا متطابقتين البتّة؟ وأنه لا مفرّ من النظرة التي لا نرغبها، ذلك أن النظرة لا تخضع للسيطرة الإنسانية، فلا يمكنك أن تنتقي شيئاً من داخلك لتظهره، بل تخرج أحشاء الإنسان من عينيه دفعة واحدة.

حين تنظر جمانة للمرآة تعرف أن لوجهها سمة مميزة وحادة وهي أن عضلاته مرتخية مما يعطي انطباعًا للآخرين بأنها تريد الاستماع لثرثرتهم للأبد. ولكن الحقيقة هي أنها غارقة في التخطيط للمساء. ففي مدينة هيلسنكي تقل فرص الرفاهية بعد الساعة التاسعة مساءً وتبدو الشوارع كأنها شُيّدت للتو. لطالما آمنت جمانة بأن المساء المثاليّ هو ما تراه في اللوحات الغرائبية للفنانة الفرنسية كوزمو، وهو ما لم تختبره في الحياة الواقعية، اللهم عدا حبيبها ذا وجه الفأر الذي يرتدي قمصاناً ذات خط كتف مائل ورسومات غريبة شبيهة باللوحات.

في هذا المساء قررا الذهاب للتمشي بلا هدف في هيلسنكي. وكان الجو مثاليًا كما لو أنه غير موجود. رائحة الدخان وصوت سيارات بعيدة وأضواء صفراء وأحجار لم تُرمّم ووجوه شياطين حجريّة تخرج عن الحائط. ولكنها ليست خائفة وتعرف في قرارة نفسها أنها تتفاوض مع الشياطين لو وثبوا أمامها. كانا يمشيان صامتين ولكن ملامحهما تشي بأنهما يفكران بالأمور ذاتها. بدا على وجه الرجل نظره امتعاض ثم سرعان ما تحولت لنظرة خائفة. كان يصوّب عينيه لسيّدة تحتضن كلباً من نوع الجولدن ريتريفر كان قد جلس أرضاً. كانت تنتحب وحين اقتربا لاحظا أن هناك موضعين في جسده قم تمت خياطتها. رفعت السيدة رأسها وقالت لهما: كيف لي أن استعيده بعد أن يغادر؟
وبدا جليًا أنها أيامهما الأخيرة معاً. حاول الرجل تهدئتها بأنه يتفهم شعورها وأن الاهم هو أن يكون الكلب مرتاحاً. أما جمانة فلم تفهم لمَ يريد الإنسان استعادة المغادر.

كان لحبيبها حاجبين كثيفين مائلين مما يعطي انطباعًا بالعجرفة والبراءة أما للسيدة صاحبة الكلب فلم يكن ثمة حاجب ولا شعر وأضفت أضواء الشارع على وجهها الكثير من رونقٍ جنائزيّ. لم يطيلا الوقوف وواصلا المشي الذي بلا هدف. كانت عينا الرجل قد غسلتا للتو ببعض الدموع وأرنبة أنفه قد إرتفعت قليلًا بفعل التأثُّر. وحين قررا الاستراحة اتخذا من كرسيٍ أمام البحر مكاناً. ثم انتحب الرجل وهو يتذكر كلبه لاسي الذي مات في طفولته. احتظنته جمانة واخبرته أن لا بأس. ثم تراود إلى ذهنها كل من ماتوا في طفولتها التي قضتها في بغداد؛ الفراخ الملوّنة التي تموت في اليوم التالي والنمل وبعض كبار السن من الجيران الذين كانوا يدللونها بالسكاكر والعناقات وجدّيها العملاقين (ذلك أن الأجداد هم عمالقة طفولتنا). ولكن ما يأتي للذاكرة أكثر هي تلك القصص الإعجازية التي شوّهت اغماضة الطفولة. مثالاً لذلك ما حدث في بداية عام ٢٠٠٦. كان هناك جار شاب طيّب يحبه جميع الجيرة، لم يرتدْ المدرسة ولم يعمل سوى في المحل المجاور لمنزله، لم يره أحد قد غادر الحيّ أبداً. كان يعمل في صبغ وترميم الأثاث المنزليّة. شاب حريص على سعادة الذين حوله ويمكن رؤية ذلك في عمله. ولأن عائلة جمانة لم تكن لتستطيع توفير كل لعبة تريدها، كانت تقف مطولاً أمام المحل وتنظر لعمله وتخطط أنها ستطلب منه يوماً ما أن يصنع لها الشكل الذي تريد. في إحدى الصباحات لم يُفتتح المحل حتى جاء صاحبه وقد غضب من تأخر الشاب وتكرر الأمر ليومين وحين ذهب للسؤال عنه تبيّن أنه لم يعد للمنزل منذ يومين. عمّ القلق والحزن الحيّ، ذلك الحزن الذي يصيب الإنسان إن هو رآى طيباً قرر أن لا يكون كذلك بعد الآن. ولكن الظنون تلاشت حين عثروا عليه خارج الحيّ ببضعة أمتار، كان جسده مقطّعاً ومكوّماً في كيس أرز ضخم. ولكن جمانة نفضت عن رأسها تلك الفكرة. لإنها تعرف في قرارة نفسها أن للألم قياس واحد.

ثم تعود مجددًا لتنظر لوجه حبيبها. الجمال هو ما سينقذ العالم ولكنه سيكون خاوياً يوما ما. فكما نعرف لا يذبل الجمال في الشيخوخة بل في عزّ زهوه. كان مظهره البوهيميّ ونظرته تلك تُنسي الأفكار والماضي وتجعل للحظة أهمية حقيقيّة. وفي تلك اللحظة تحديداً نظر لها بفزع وربت على يدها ثم وقف وراح يمشي سريعًا ثم هرول عائدًا إلى المنزل وهو ينتحب. كانت السماء تتلون بالقليل من بنفسجية الشفق القطبيّ والبحر هادئ وصوت سياراتٍ بعيدة أو ربما هو صوت الأفق المفتوح.

العمل للفنانة Cosmo




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق