الثلاثاء، 29 سبتمبر 2015

تتابعات محب

حين تجتاحني الرغبة للهروب من الآخرين، فأنا بكل بساطة اخرج.. امشي واعتزل كل شيء يعطي قيمة للوجود، انظر للأشجار التي تمتد إلى السماء مثل تضرعات عجوز حزينة، وإلى بقع الماء التي ترطب العشب وتشوه الطين، وقد أضع للأرنب أذنا ثالثة، عله يستدل فيها على الخير والشر أكثر،
وحين أفرح، فحقا.. أنفجر، أحب الجميع، أبتسم للوجوه، للزجاجات النظيفة وللحيوانات التي تقشر جلدها عند زوايا الشارع، إن هذا التصرف بدأت ألحظه منذ أول مرة إلتقينا فيها، حين طلبت مني الإيمان بأصدقائي وبالوجوه، ولكنك لم تعرف قط، أنني فتاة منزوعة الجذور، لم تهدأ روحي في أي فضاء.. ولن تفعل!
لنعد للحيوانات اللطيفة التي تقشر جلدها، إنها تقشره فيرتفع في النور الصاعد إلى الشمس أو النازل منها.. لم أعد أدري، إنها تجرد بتقشيرها كل ما نفكر فيه، الخير.. الشر.. السلام.. الحب، تجرده ليبدو نقيا مثل الزجاجات التي ابتسم إليها، وطاهرا جدا.. للنقطة التي ينتهي عندها الحب.. ويبتديء.
في الأيام التي مضت، صادفتني صورة طفل صغير يزحف على اسفلت حدود دولية بين بلدين اوربيين، في فمه ملهاية وعلى جبيه نتوء رمادي، وأمامه يقف خمسة رجال من مكافحي الشغب، كانوا يبتسمون كمن يقترب من الأرض فيلامس بصدره أولى أيامه، وكان هو منبهرا بكل شيء، في تلك اللحظة، اخترقني وتر كمان رقيق، وهدأ على أحزاني ليزيدها، وددت حينها لو أريك الصورة وأسمع منك كلمة واحدة قد تخفف الأمر، لكني عطست بسبب تقشير أحد الحيوانات لجلده، وبعد العطسة.. وددت لو يمكنني أن أمد يدي وأشد النتوء البارز من جبين الصبي وأحيله إلى أذن أرنب، عله يستدل فيها على الخير والشر!
كما أخبرتك، يمكنني الهروب من كل شيء، ولأكن أكثر دقة، يمكنني ترك كل الدنيا خلفي والمضي بهدوء وحرية وضحكة مطلقة تجلل في صدري،
لكني، حين أرغب بالرحيل عنك، لا أجد ما يستقبلني، تختفي حيوانات الزاوية، وتزول النتوءات الرمادية عن الهواء، وعندما أرغب بالركض بعيدا، يختفي الطريق، تخيل! أعوم بخفة اللاشيء في الهواء.. وأشاهدك:
منكبا على كتابة شيء ما، لا يبدو منك سوى فمك، تحاول قول شيء ما_لا أهتم بماهيته_، أنا فقط أدرك للمرة الألف، الحقيقة التي مللها الجميع: أن كل الأشياء تؤدي إليك.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق