الثلاثاء، 29 سبتمبر 2015

إنس هذه الزمنية
تخيل.. تخيل..

لو أن البدايات تكون لحظة الموت، تموت وعلى وجهك إبتسامة تعيسة راضية، وحولك عشرات الناس مصفقين ومبتهجين، ثم تقوم ممرضة جميلة بالسهر قربك وغسل قالب أسنانك المصطنعة وبعد أشهر تقف في طابور طويل تفوح فيه روائح  نقية مثل التي تفوح من مهود الأطفال وروائح أطعمة بسيطة مشهية، ثم تقوم باستلام قرار التقاعد وتبتسم لأنه يرفعك إلى الطابق الخامس في بناية الإذاعة والإعلام حيث تدون آخر ماشيتات الأخبار وترفعها إلى المذيع ثم تخرج مهللا بالراتب وتشتري لفة الفلافل المحببة لك وقميص أحمر تستعرضه أمام المرآة استعدادا لحفل التخرج، فتبدو عيناك أشد قتامة حينها ووجهك أكثر إشراقا، ثم تناديك أبنة الجيران لتلعبون رفقة الاصدقاء كرة القدم في الشارع وتأكلون غزل البنات على رصيف البحر،
وبعد ست سنوات ستكون قد غدوت صبيا، وبدت الحياة موحشة وخالية من طهارة وصدق الآخرين، سوف تجتاز المرحلة الإبتدائية فرحا لكنك تستعد لعمل شاق طويل، تقضيه بين الأطفال في الحضانة، هناك ستبدو الأمور أكثر قتامة، الكثير من الأطفال والنوايا السيئة والأفكار اللامحدودة عن الشر والأذى، ستصمد طويلا بينهم، سيرميك طفل بالمكعب الأصفر وسترش طفلة شقراء الرمل في عينيك، والصديق الذي أعطاك وعدا بالوفاء، سيرسم على وجهك قناع كلب في قيلولة الظهيرة،
وبعد سنين قليلة.. ستصل للخط الرفيع، ستبدو صغيرا بحجم كفين متصافحين، وهناك ممرضة جميلة بقربك تراقب نبضك على الشاشة وتتبسم بخجل وشفقة إليك، ثم حين تصفع جبينك، ستغدو الغرفة المعقمة دوارا أبيض بين الوجود والعدم وتنكمش فيها صيحات الأطفال ثم تتمدد بعيدة.. بعيدة حيث يتحول جميعنا إلى وردة جوري يتبادلها عاشقين !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق