الجمعة، 2 أكتوبر 2015

-الناس لاي يرون إلا وجهك..الناس لن يحبوا سوى وجهك!

صرخت فتاة وأبعدتني عن طريقها، صفقت.. أعلم أنني لم ألتقيها من قبل، أعلم أنها غاضبة وأن هناك وجها آخر إحتل ملامحها، ولكن ما يهمني؟ لماذا مشيت بين الناس باحثة عن وجه تصدر عنه تأوهات تلك الفتاة؟ لا تسألني.. هذا ما يحدث لأصحاب القلوب الباردة والعاجزة، هذا فقط.

كان معرض الكتاب مزدحما، الكاتبة المحبوبة صوفي كانت تجذب الأيدي والقلوب إليها، الكثير من الناس حولها، فتيات جميلات وشباب متحمسون ومسنون (وهم الأجمل) يمدون بأيديهم المرتعشة، مثل جناحي عصفور مريض يصليان للهواء أن يرفعهما عاليا، راقبت من بعيد وسؤال يراودني: هل ما يحيط بصوفي كومة لحم، أم كومة أفكار أم جزيئات نور انزلقت هفوة عن جناح فراشة؟
على الأرضية كانت لا تزال آثار الفتاة التي صرخت بوجهي، تبعتها دون أن أمسسها فأنا حقا أخاف أن أحتل خطواتها بعد أن أحتلتها إحدى الملامح، أنه لقهر حقيقي أن يتم تهميشك عن العالم، أن ينتزعك الآخرون (الأكثر قوة أو جمالا) عن الوجود، كما ينتزع موسيقي درجة ما فتتولد موسيقى جديدة تهمش سابقتها.. يا للحزن.

عند زاوية إحدى الأفرع، وهو فرع القصص القصيرة، كان هناك شاب يضع يديه على قلبه بحسرة وأمامه فتاة لم أتبين وجهها، كانت تدسه في كتاب.. ولأكن أكثر دقة؛ كانت تحاول أنتزاعه عن كتاب ما دون أن تنجح، من بعيد كان الجمهور يلتقط صور مع صوفي وروايتها الصادرة حديثا، وآخرون يوقعون دواوين الشعر العاطفي بشغف، لم يكن هناك غيري يلاحظ أزمة هذان الكائنان المتشابهان بأمر واحد، رجل فقد شيئا ما، وفتاة فقدت شيئا أيضا، أنها حين تمكنت أخيرا من أنتزاع وجهها عن الكتاب، لم تكن تحمل أي ملامح.. لقد تجرد عنها كل شيء، أنزل الشاب يده عن قلبه وغادر دون أي حسرة، ثم اكملت الفتاة تصفحها للكتب.
قبل أن أغادر ألقيت نظرة أخيرة، غمزت لي صوفي، وكانت الفتاة تمسك بياقتها تتوسلها أن تلتقط صورة معها، لكن لم يلحظ أحد وجودها (بالطبع، من قد يلحظ وجها أو قطعة لحم دون ملامح!) وعند الباب كانت الإضاءة خافتة وحزينة، أوصلت إظفري سبابتي ببعضهما، فبدا ظلهما مثل كائنين ينامان فوق جسر لا ينفصل، لكني وضعت يدي في جيبي واختفى الجسر، تذكرت تشابهنا المتماهي وابتسمت، لا أستطيع أخبارك ما حدث بعدها، فقد كانت أضواء الشارع مشرقة وملونة، فغطى الجمال (لمرة أخرى) على كل شيء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق