الاثنين، 16 نوفمبر 2015

عن السؤال.. وشياطين أخرى

فكرت فيك،
مررت أظافري على الشباك، على السبورة وعلى جلد عجوز لأقيس مقدار ضغطها، واتعسني أنني لم أسمع أي صوت، لم يخدش الزجاج ولم تطلق السبورة نياحها الأخضر ولم تنتبه العجوز لوجودي، كانت تنظر إلى نقطة ما في الأرضية الخشبية، تعد وجوه الذين أحبتهم كما يفعل جهاز الضغط في يدي.
عند زاوية الغرفة، كنت قد حشرت طاولتي الصغيرة ووضعت فوقها كراسة وقلما أسودا وكتابا يثير الابتسامة عند رؤيته لأول مرة، طبعت عليه صورة أحد آلهة اليونان وبأسفله باندا وغلاف الكتاب ذا ورق غالي وردي اللون، كانت العجوز قد وضعته أمامي واشارت أن أكتب لها ملخصا عن كل إله. هذه العجوز تشبه ورقة تنكمش في برد اكتوبر وتتلاشى في الفضاء البرتقالي، وضعت اطنانا من المكياج والملابس خلال حياتها واهرأت قلبها بأن وضعته جدارا يستند إليه ظل من تحب، واليوم هي تبحث عن الله، عن أي نور او تلألؤ يمكن أن يثبتان حقيقة أنها لن تكون بمفردها حالما تصل للجهة المقابلة، وهو ما اعتادته خلال سنوات حياتها الأخيرة التي قضتها في عزلة عن الآخرين، كانت تقوم كل فجر بالمشي والعودة إلى البيت قبل السادسة حيث ينزه الجيران كلابهم، وعند الظهيرة تنزل إلى البحيرة وتطعم فراخ البط بقايا العجين. إنها تسعل الآن وتتنهد.
حينما أنظر إليها أذكرك، إنها طيبة.. دافئة وضائعة، ورغم كبر سنها فأنها ما تزال قادرة على أن تصوب نظرات صارمة كما تفعل أنت، وأفكر بأنني قد اجيئك في يوم ما في البعيد وأحصي دقات قلبك التي قد لا أجد فيها صوتي وهو يثرثر بسخرية، كم هو حزين المضي بالزمن.. دون وجه من نريد، وكم هي لحظة مرة، أن تنظر في نقطة ما في الأرض وتعتصر عينيك لتذكر ملامح من تحب.
خلال أسبوع، أنجزت تلخيص الكثير من حكايات الآلهة ووضعتها في ملف في الدرج، ثم واصلت البحث عن لوحات وتماثيل لإدراجها مع كل قصة، وانين العجوز من الغرفة المجاورة يكاد يلغي موسيقى الشمال الخارجة عن الراديو. وعدتها بأني سأقص عليها اليوم حكاية أغريقية، لكنها لم تكترث وكانت تشير بيدها للنافذة:
-الشتاء هنا..
كان الجو ممطرا وعاصفا، أخبرتها أن الأغريق لم يؤمنوا بالغيم والمطر والصقيع، إنما كان الشتاء يمثل لهم حزن الآلهة ديميتر على ابنتها التي سقطت إلى العالم السفلي فأجبرت على الاقامة فيه أربع أشهر من كل سنة، وهي الشهور التي تبكي ديميتر وتلطم فيها على جنبات هذا العالم. مدت العجوز اصبعها إلى النافذة وكررت:
-الشتاء هنا..
ثم وضعت اصبعها في جحرها وسألتني إن كنت أصدق ما قلته لتوي، ولم يسعني أن أجيب، لم اشأ أن الوث ذهنها اكثر من اللازم، لقد قضت قرابة الثمانون عاما في تجميع الآخرين إلى داخلها، وكل ما أردته هو أن امنحها لحظة تطهر حقيقية. اطلقت ضحكة صبيانية وامالت رأسها باستهزاء، وواصلت النظر إلى العاصفة في الخارج، انقطع البث التلفزيوني والعجوز نهضت تمشي باتجاه النافذة، اتكأت عليها وراحت ترسم زهورا ودوائر بسبابتها المرتعشة، وسألتني مرة أخرى إن كنت اصدق ما قلته عن الشتاء وديميتر، ومشت باظافرها على النافذة، فاحدثت صوتا يشبه صراح أنثى في ماسورة حديدية، فكرت فيك لحظتها وتمنيت أن تظهر لدقائق وتشرح كل شيء، فوجودك يشبه الشمس حين تميل بضوءها على المكان وتكشف ندف التراب.. أو النور الذي يتهادى في الفضاء.
نظرت إلى نقطة ما في الأرض لاتذكر ملامحك (وهو امر يبعث على المرارة كما سبق وأخبرتك)، والعجوز التي فتحت النافذة وانطلقت تتسلق قطرات المطر، كانت هي الأخرى تبحث عن الحقيقة الأخيرة التي صادفتها؛ من أين جاء الشتاء.. وحزن الشتاء!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق