الجمعة، 27 نوفمبر 2015

بهجة شفهية للمكتئبين

حتى أصل للحقل، كان علي المشي لساعات كثيرة، والظلام خيم في المدينة، لم يبق في الشوارع سوى مجاميع المخمورين والأضواء عند طرف كل زقاق ووريقات الشجر المبللة التي تكنسها الريح عن الأرصفة، فيبدو صوتها مثل طفل يتمخط في جحر دميته،
لم يكن هناك من كائن حر وكامل الإرادة في المنطقة سواي، لكن هل أنا حقا كاملة الأرادة،.. هل أنا حرة؟ يتبادر إلى ذهني أن هذا السؤال قد اهترأ، إنه يشبه عناوين بغداد في الأخبار، يرمي عليها الناس قشر البذور التي يتسلون بها، حتى هؤلاء المخمورين يسألون ذاتهم المبللة والرطبة أمام مرآة الحمامات العامة، ان كانت حرة أم لا، حتى الطير وعظام الطير تسأل، حتى الأشجار والأظافر والعرق يسألون: هل نحن أحرار؟..

نعم هم كذلك! لأشرح ذلك؛

تخيل أن الحياة قوس مثبت إلى الأرض، أو قطة غاضبة ترفع بطنها لأعلى، النقطة التي يبدأ عندها القوس هي الولادة وهي لحظة حرة! انت تخلصت من مساحة البطن الضيقة التي حشرت فيها لتسعة أشهر، والنقطة الأخيرة التي ينتهي عندها القوس هي الموت، وهي لحظة حرة، إنك ستتخلص من مساحة أضيق من الرحم وستنجو بما تبقى لك من دموع.
وهذا القوس وضعته على الأظافر والأشجار والمخمورين، فصرخوا جميعا: أين ينتهي القوس؟
حين أمشي في الشوارع ليلا، فأنا امتلئ بالوحدة وبك، أرى وجهك في الأنوار البعيدة التي تغطي الشوارع، أميل بأحداقي قليلا، فتبدو الأضواء مشوشة وغير منطقية، فيتخفي حينها وجهك ويلتصق بألف وجه آخر صادفته. وأحيانا أخرى أفكر في جزئيات عاطفتنا تجاه العالم، وعبثية اهمالنا لأهم الأحداث التي تمر بنا، مثل العجوز التي صادفتها عند نهاية الشارع قبل قليل، كانت تضع معطفا مطريا أحمرا طويلا وتحمل مظلة شفافة في جيبها، وكان الجو ممطرا، حين رأتني نزعت خفها الصوفي وارتدت جزمة مطرية ومشت بحنق، وددت اللحاق بها لأخبرها أنني لم أقصد النظر إليها.. لم اشأ أن أصنع من قدمها المبللة _والتي تعنيها لها شيئا كثيرا_ شيئا يدعو للسخرية، لكني لم اتابعها وطردتها من ذهني وفكرت: كم يقضي المرء من حياته وهو ينزع خفيه ويحرر قدميه؟ هل في الأمر قوس وقطة..،

عند بداية الحقل كان هناك مجموعة أخرى من المخمورين، وقد انتشرت حولهم علب الكحول والأكل والراديو الذي يخرج أغنية روك والنشرة الجوية في الوقت ذاته، نزلت عن التلة إلى الأسفل حيث الحقل، كان هناك لون أزرق يخيم على المكان لم أدرك مصدره، وضوء وحيد معلق في أعلى شجرة، إجتمع حوله الذباب ونثار نور طفولي.. يشبه كثيرا ضحكتك المختنقة. نزعت قفازي ومددت يدي بعمق إلى التربة، فأمتلأ قلبي بشعور يشبه اللاغربة.. الوطن.. الأصل أو الحقيقة، ابتهجت وكنت مستعدة حينها أن أغطي شاشات التلفزة التي تذيع أخبار بغداد بهذا الطين، ثم أجلس قبالتها وأصلي وأبكي بؤس الجميع.. جميع من يملكون تربة في وطنهم،
لكن، هل كان البؤس هو الشيء الذي لمسه اصبعي لتوه؟ حفرت بقعة الأرض الصغيرة التي أمامي فظهر لي اظفر.. ثم أصبع.. ثم يد، مكونات البشر الطبيعية، وسحبت اليد بقوة، لكنها لم تتحرك، حفرت أكثر وبشكل أعمق فلم أجد سوى زجاجات كحول مفرغة او نصف مفرغة وقد اشبعت التربة بعطرها.
لم أر كيف تم ذلك، لكني رأيتك تمشي ببطيء وتحسر الضوء الوحيد المعلق في الشجرة، كانت هناك بعض الشعيرات التي خرجت عن شعرك المشدود بقوة للخلف، وقد ابهجني ذلك.. لم تكن مثاليا. ركضت تجاهك واخبرتك بهلع عما صادفته لتوي، فهمهمت وضممت يدي إليك، ثم البستني القفازات ومشينا حيث يشير النور. في طريق عودتنا كنت تغني شيئا طفوليا، حين سمعنا نحيب المخمورين الذين يسهرون قرب بيتنا، كانوا يبكون بحرقة، وكانت الأشجار تميل مثل أرملة بكماء، وكانت اظافري باردة، لم تسعفها يديك، قال احد المخمورين: صديقنا راح يبحث عن نهاية القوس ولم يعد.. صديقنا وصل.. ونحن البؤساء بقينا،
وحين حدثتهم عن اليد الرطبة التي وجدتها في الحقل، انصتوا جميعهم، حتى الاشجار.. نفضت كل اوراقها دفعة واحدة لألا تشوش سمعها، ثم حين انتهيت نظرت إليك، كنت تبدو بعيدا.. مثل الأنوار التي تغطي الشوارع البعيدة، فلم أحرك أحداقي لاجعلك تختفي، لأن كل ما حولي صرخ: أين ينتهي القوس، ثم تسابقوا إليه جميعهم.. المخمورين.. الاشجار.. العلب المفرغة، وبقيت وحدي أستمع للراديو الذي يصدر اغنية لفرقة الدورز.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق