الأربعاء، 27 سبتمبر 2017

فيلم قصير

هناك ألم انطوائي للغاية وكأنه يخرج من الروح، يبدأ في بطني ويصعد مثل صعقة كهربائي خارجاً من أطول خصلة في شعري.
أنظر إليك تنظر إلى لوحة تبدو للوهلة الأولى تجارية ومن النوع المتكرر الذي يعلقونه في صالة المطارات؛ جزيرتان في زرقة وبياض شاحبين.
أنت ذا الوجه الذي لا يمكن تكهن انفعالاته، الطفوليّ الكئيب والمعلّم اللامبالي، تنظر إلى اللوحة فتتقارب الجزيرتان بكل خفّة ووقار وتقبلان بعضهما، ليس بالضبط كما يحدث في الأفلام ولا كما يحدث في المطارات ولكن كما تجري الأمور في المخيلة: مثالية بشكل خاص.
تتململ وترفض بمرارة من انهكه الصداع أن تتصفح هاتفك وتدير وجهك للممر المفضي إلى الطائرة، أنت تعرف بشكل مؤكد أن هذا الممر يأخذ بك إلى مكتبة ضخمة ذا بناء زجاجيّ بنفسجي، ولكن تعرف كذلك أن الممر والمكتبة وما ستراه لاحقاً ليس حكراً عليك، ليست بهبة يمكنك أن تتفاخر بها ولا بحلم يصلح أن يكون مادة خام لقصة جديدة. بل هذا هو وجه الحياة ببساطة.
تنهض عن الكرسي وتمشي إلى الممر، الوشاح البرتقالي الذي تلف به رقبتك يتأرجح مثل تنين، إنك تحترق شوقاً للعالم. ليس هناك حاجة لإظهار جواز سفرك ولا حتى يديك من جيبك فالممر مفتوح وواسع وعند عتبة العبور هناك خط رفيع يؤدي بك الى التزحلق للداخل في حال كنت متردداً في الدخول.
فور دخولك للممر تأخذ راقصة فلامنكو بيدك _تعرف من طقطقة كعب الحذاء الحادة أن هذا ليس بالحلم_ وتدخلك إلى حانة يغشاها ضباب السجائر والابخرة. تودّ لو تسحب يديك من يديها لتتأمل الفوانيس التي تتدلى بتفاوت من السقف، لكنها تركض بك في مساحة مكانية تجهلها داخل هذه الحانة الضيقة.
تتركك على مقعد وتذهب للرقص على المنصّة.
إنها تفعل ذلك بشكل مثاليّ كذلك، حركات يديها والزركشات على أطراف ثوبها وتقاطيع وجهها تتحرك جميعا كما لو كانت محاطة بمسطرة، تقول لنفسك أنه لأمر شهيّ.
يأتيك رجل الحانة بحذاء فلامنكو ويقول لك بصوت بعيد: زاباتوس
ويدفعه إلى حضنك.
تنظر للسقف وتعرف أن الفوانيس المعلقة هي ضفادع منتفخة ابتلعت مصباحاً في إحدى قصصك، تشعر بانتشاء ورعشة ويمشي الخدر من رأسك إلى كل طرف فيك.
تنظر للراقصة وللحذاء، تعرف أنك تعيش في فنلندا وأن الحانة فنلندية وأنك تريد أن تتعلم رقصة فنلندية شعبية. لكن لا أحد ينفذ رغبتك.
تتمطى قطة بيضاء رافعة مؤخرتها فتصير سجادة، يختلط الأمر عليك، هل ما وضعه صاحب البار على الأرضية قطة أم سجادة؟
تشعر بالغربة، فما تراه من النافذة مختلف؛ هنا البحر متجمد والغروب في الشوارع اصفر، صفرة تصبغ كل شيء، لكن الغيم وحده في الاعلى رماديّ يمضي في طريقه بانتظام.
تقول لراقصتك إنك متعب وتريد الذهاب للمنزل. لأي مكان فيه سرير؛ أليس هذا ما نعرف به المنزل؟
تغادر. عندما تنعطف الحافلة وتظهر لك ابراج السفن التي تحجب اشعة الغروب بين شقوقها،  ستنتابك وخزة تتسع لها عيناك المنهكة، وخزة حب السينما وحركات الكاميرا التي لا تفكر بتقنياتها قدر حلمك بخلق لحظة الانعطاف ومعها معزوفة لباخ.
تفكر في شخص ما؛ تفكر فيه كثيراً، هذه الجملة تستغرق الكثير من الخط الزمني لمرورك في العاصمة، بل وتبدو اقرب لخلفية المرور كله.
تسمع صوتاً ما تصدره الراقصة، وكأنه يأتي من مدينة أخرى، هي لم تعد هنا، هي لم تكن معك في الحافلة منذ البدء.
البحر كله متجمد، هناك شكل نصف دائري هو وحده الذي تشغله الامواج، المنظر عظيم، يمكنه كذلك أن يكون مادة لفكرة فيلم، لكن لا يهم.. ليس هناك معنى من هذا كله أمام فكرة النوم والحلم: طريقا الجنون والحرية.
تقول: كات.


Illustration: Jiwoon Pak

هناك تعليقان (2):

  1. Very smart writeing of you Aya ! Greetings from the Orange Sun of Egypt

    ردحذف
    الردود
    1. Thank you Samir, I love Egypt, it is one of my dreamy places to visit.
      Greetings

      حذف