الأحد، 11 فبراير 2018

تتابعات زمنية

الجلوس بين عصارات الألوان الزيتية وفرشات الرسم والجرائد الملطخة يولد شعوراً مقدساً لأنفي ويديّ، شعوراً بأني قادرة على الخلق، بمعنى آخر إني اقوم بدقّ اجراس أبدية على جدار العالم.
يتسلل ضوء شمس مختلف إلى الارضية وإلى وجهي، أعرف يقيناً أنه ضوء الذاكرة، لأنه يحمل رائحة حليب ورطوبة وصوت بكاء طفوليّ عذب.

أغمض عيني لاستحضر الظلام.
أليس الظلام سوى عدم؟
أليست المخيلة سوى ظلام؟
لو وضعنا أحدهم في مكان مظلم وسألناه أين أنت؟ لهذا السؤال أجوبة كثيرة:
ربما يكون في غرفة ليس فيها سوى سرير وكرسيّ، ربما في قبو، ربما في قصر، ربما في حلم أو قد يكون في نقطة حبر على ورقة.
لهذا السبب أغمض عينيّ في لحظات الحنين والمرارة، في محاولة جبّارة لترتيب فائض الوجود.

بالعودة للطفولة، كنت أجد ذات المتعة في الرسم لكني لم أكن أشعر بأي قدسية تجاه الأمر، كان مجرد حاجة مجهولة لأصنع شيئاً ما على الورقة.
الأمر الآخر الذي كان يشغل وقتي وافكاري هو كتاب للشاعر الهندي طاغور. كان كتاباً مهترءاً بصفحات صفراء وغلاف أخضر ممزق، على الغلاف صورة لطاغور يبدو أن أحدهم رسمها بقلم حبر.
لم أكن منجذبة لمحتوى الكتاب، فقد كان صعباً ولغزاً بالنسبة لطفلة، لكنني داومت على قراءة ملاحظات صغيرة مكتوبة بقلمي الرصاص والحبر الأحمر على جانبي كل صفحة، هي ملاحظات فلسفية كذلك غير أني كنت أشعر بأن نسيماً بارداً يداعب وجهي عند قراءتها فأخرج للركض في الشارع وقلبي مملوء بضحكة وبمساحة جديدة لم تُطأ بعد.
أدركت لاحقاً بعد سنين أن الكتاب يعود لجارتنا وأنها كانت تتبادل الملاحظات مع حبيبها قبل أن تأخذه الحرب إلى الفراغ ويصير قصة.

بعد سنين أكثر وحين صرت شابة فتحت لي الجارة ذاكرتها وارتني صورة حبيبها: وجه عادي الملامح مرتدياً بذلة حمراء مضحكة.

بعد سنين أخرى كنت اهرول للحاق بالقطار ورأيت على الجانب الآخر رجلاً يشبه حبيب جارتي، ذات الوجه وذات البذلة، غير أنه كان يدخن بشراهة حتى بدا الدخان أسفل وجهه وكأنه لحية.
نظرت إليه وكأنه بابا نؤيل في هذا الثلج ونظرت إلى ذكرياتي. توقف الزمن للحظة قصيرة وسمجة؛ واحدة من هذه اللحظات المعتادة التي نتذكر فيها جريان الزمن ونفزع ثم نستمر في الركض وركوب قطارات الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق