الجمعة، 27 نوفمبر 2015

مسيرة الأحذية

فتحت كتاب الأطلس الذي أهداني إياه أحد الاصدقاء منذ وقت طويل، ونظرت إلى الحدود والألوان التي تفصل العالم، جبال.. مياه.. بقع خضراء.. وكان هناك آثار أقدام محفورة بعمق بالأرض، ربما هي للاجىء اتعبه البرد والطريق، أو ربما هي خطا عاشقين لا يريدان للحظات النور التي تجمعهما أن تنتهي،

في كل مرة أضع فيها يدي على صفحة كانت تصرخ:
هذا المكان يؤلمني.. هذه البقعة تزرع جثة قنفذ في قلبي.. هذا البلد أدمى وجودي
فأطبقت الأطلس ونظرت لما قد يوجد خلف النافذة، كانت هناك أحذية كثيرة، متسخة ونظيفة وبكل الألوان تمشي بتمهل إلى الجنوب، لم يكن حذاءك الأسود بينها، فصعدت إلى وجهي ابتسامة واحسست بحنين غامض تجاهك، كنت أتمنى وجودك، فالحزن واللا حيلة تتجاوزاني، وهناك سؤال يلح علي:
من أين جاء قبح هذا العالم؟ وإلى أين ينتهي؟
حين رأيتك آخر مرة، كنا نمضي في طريق متعاكس، وقد سمع كلينا صوت ريشة تسقط!، ولأني أمشي بخطوات سريعة دائما، لم يخطر لي ما يتوجب عليه فعله في الخطوة المقبلة، لكنك وبكل هدوء أخذت الريشة وناولتني إياها، أخبرتك أنها ليست لي، فأخفيتها في معطفك الجلدي قرب قلبك.. كما لو أنها لا تنتمي سوى لذاك المكان،

كما تعلم، وكما يعلم جميع من سيقرأ هذا الكلام، أن إحدى الجماعات الأرهابية قد قامت بهجوم على شوارع ومسرح في باريس، وأنا الآن _ولا حتى لاحقا_ لست في موضع الحديث عن أي سياسة أو حالة إنسانية لطفل كان يلعق إبهامه حين تفجر المكان، لكني أريد توضيح أنك كنت تداعب ريش حمامة حطت بالصدفة عند نافذتك وطرقت بمنقارها ثم غفت، لكن من قد يعير أي انتباه لأصابعك وهي تمشي على ريش الحمام، أو حين تنظف منقار الغربان الكثيرة التي تبني أعشاشها عند نافذتك؟ من قد يولي إهتمامه للحظات الوحدة التي تعري قلبك وتصلبه؟ لا أحد! كما أن لا أحد سيعير انتباهه لكل القلوب والوجوه والاسنان اللبنية التي تتشظى كل يوم في بلادي.. بلداننا.. التي لا تعرف عنها الشيء الكثير،
فكرت ربما هذه الأحذيه تمضي تجاه الجنوب حيث باريس، تتمخط حبالها عند كل خطوة، فالاجواء سيئة والمطر لم يتوقف منذ اسبوع. كانت الأضواء منارة من كل بيت وجميع العوائل تجلس حول الطاولة ويأكلون ويضحكون أسفل نور أصفر خافت، يشبه ذاك الذي يرتسم على الوجوه الأنانية. وكنت أجلس وحدي في وسط ارجوحة خشبية، تنتهي حبالها عند الغيم.. أو في نقطة ما من السماء، وكنت ساكنة جدا، فسمعت ما يحكيه الأطفال وما يهمسه العشاق لبعضهم وما يعد به الرجل لأمه وهي تحتضر، وفكرت فيك.. ما الذي تود سماعه.. ما الذي أود أنا قوله من كل هذا الهراء؟ لا شيء طبعا، نحن لم نخلق مثل الآخرين.. نحن وجدنا فجأة في درب آخر، غير الذي يمشي فيه الناس للعمل وللمواعيد الغرامية، وغير الذي تمشي فيه الأحذيه،

مرة أخرى، كما تعلم، فأن استيقاظنا بعد حلم بشخص ما، فأننا نشعر بصلة ما تجاهه، بلطخات من الحلم عالق في جنبات ارواحنا، وقد أحسست هذا اليوم، حين كنت اطالع الأطلس وكان هناك غراب يطرق على نافذتي، وفور أن رآني انظر إليه حلق بعيدا، وإذ ذاك رأيت الأحذية وهي تمشي ببطء حيث الجنوب، بطيئة ومهترئة. على الطرف الآخر كان هناك شاب طويل، جميع ملابسه سوداء، كان يركض حافيا خلف غراب وحمامة، بين اشجار الغابة المجاورة المطلة على البحيرة، فلم اتمكن سوى من الخروج والركض في الشارع، تنفست رائحة وحدتك تحت المطر، دعست على الأحذية وعلى عشب الزيتون التي كانت موضوعة بداخل كل منها، وتبعتك.. وتبعت الريش والطيور.. التي ملأت بنورها سماء البحيرة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق