الخميس، 17 ديسمبر 2015

هذا كله

الطبيعة مرهقة جدا، انها واهنة وهائمة في فضاء رمادي شفاف يبدأ من الأفق وينتهي عند قلبي، يرتعش العشب النابت على الصخور وتهتز كل اغصان النباتات التي تنبت في زاوية ما من الغابة، والاشجار صديقاتي الدائمات ينحنين بهم، مثقلات بالمطر وانفاس الحزانى، فلا أكاد أرى اغصانها التي تشبه شرايين عجوز وهي ترتفع إلى نافذتي،
ولأني لفضت إسمها الآن_النافذة_ سأحكي بشكل موجز وغير مهم عن صفات نافذتي وعلاقتي بها؛

النافذة مؤطرة بإطار ابيض _كما هو الحال مع كل ديكور غرفتي_، وينحصر في آخر عشرة سنتيمترات شباك صغير آخر ممتد للأعلى. تبدو طبيعية لو نظرت إليها، فما الذي قد يثير الشك في نافذة! لكن في حقيقة الأمر، عند الزاوية اليسرى هناك ثلم صغير لمنقار عصفور، وفي المنتصف يوجد شكل واضح لجسد طير، فمنذ أيام، وحين كنت استمع للراديو، تكلم أحد الضيوف عن الحال الاقتصادي للبلاد، وكان يشبه صوتك كثيرا، فرسمت جزيئات الصوت هذه ملامحك ولونك وبعضا من اللحظات التي التقينا فيها، وإذ انا انظر من الشباك، اصطدم طائر بالزجاج وارتد بشكل مستقيم لمساره!

الأمر الآخر عن النافذة، هو أن الشباك الصغير الذي يحتل العشر سنتيمترات مغلف من الخارج باسلاك معدنية دقيقة لمنع الذباب والحشرات، وقد كان هناك ثقبان متفاوتا الشكل والجحم في الاسلاك. في إحدى المرات، وحين كنت اغط في نوم متعب بعد أن تناقشنا مطولا في نظريات لا ترغب في تصديقها، وفي كل مرة افتح فيها عيني لأفيق من ثقل الحلم الذي يشدني للسرير والعتمة، كنت أرى الثقبان وقد تحولا إلى طائرتي هليكوبتر تقصف الغابة.. وتغمس دبابيسا بقلبي،
وللهروب من (هذا كله)، كنت امشي بالغابة واتمدد على تربتها الرطبة، أو أن آتى إليك ونبدأ سوية بالحديث عن معنى ما. لكن ما الذي افعله الآن، وقد ذبلت الغابة وتكورت على ثلجها واغصانها اليابسة وغاصت في ظلام سيمتد لأشهر، ما الذي افعله، وأنا في كل مرة اجئ اليك، صرت لا ألقى سوى كومة افكار تتجادل فيما بينها وتبحث عن ثقب للنور، فأنا يا صديقي متعبة وأريد طمأنينة لأيام قليلة.. ليوم واحد أعيد فيه تشكيل ملامحي،

حاوت.. لم أعد ازور الغابة، ولا أطيل النظر في أي كتاب أو نافذة، لكني لا استطيع التوقف عن المجئ إليك، إن مجيئي هذا مدفوع بحاجة ماسة ومعقدة للوحدة وتبادل الأفكار بشكل حر مع الذات، انا احتاجك حتى لو كنت تسبب لي (هذا كله)، حتى لو كنت مجرد فكرة في هذا العالم،
لذا.. جئتك قبل أيام، في الحفل الذي أقامه مركز المدينة الثقافي، ووقفت في منتصف الغرفة انظر للوجوه المتجعدة لكثرة الابتسام واخرى تشبه الشمع لعزلتها. من إحدى الزوايا لمحت رجلا انيقا يشبه ديكارت، كان يمشي واضعا يديه على كتفي ابنته، ولم يكن يقف للحديث مع أحد. وأنت كنت تقف عند زاوية القاعة وبدا وجهك مثل المرة التي رأيتك فيها أسفل المطر، قاسيا ومحدقا بي، ثم نظرت على يميني، كان الحائط زجاجي بالكامل وقد ابهرني ذلك، رأيت فيه شموس كثيرة وجبال ملونة بالرمادي والاسود، لكنك حين اقتربت وضحت الصورة، لم تكن الجبال سوى اكتاف الرجال في بذلاتهم الرسمية، والشموس الكثيرة كانت رؤوسهم المغطاة بالشعر الأصفر.
كانت عيناك حزينتان، أنت تأسف لمنطقك المطلق وعجزك عن الحلم والشعور، وعجزك أيضا عن منع هذه المنطق من الوصول إلي وافساد سعادتي، لكنك رغم ذلك تبدو وديعا مثل فراشة.. مثل تمثال يتآكل تحت المطر. أخبرتك أني احتاج كتفك لاستند إليه ولازيح الافكار الكثيرة التي تنهشني، كنت أريد أن تأخذني بعيدا وقليلا عن ثقل هذا العالم، فأسندت رأسي وأخذنا ندور بخفة وحزن، كأنها المرة الأخيرة التي أراك فيها.. كأنها المرة الأخيرة التي سأفكر فيها، وقد خلقت الفكرة الثانية مرارة هائلة في نفسي. درنا بخفة وتوقفنا، كان عيناي مصوبتان للرجل الذي يشبه ديكارت وزوجته وطفلة صغيرة تحت كفي ابيها، وكنت أنت تواجه النافذة.. الجبال.. الشموس، فسحبت كتفك بغضب وغادرت بسرعة. من وراء النافذة رأيتك تمشي بين جبلين وشموس كثيرة.. كثيرة تنير طريقك.

هناك تعليق واحد: