السبت، 23 يناير 2016

حديث عابر عن لوحة

هل طالعت من قبل لوحات ريني ماغريت؟
تومئ برأسك،

واحدة من لوحاته مرسومة ببساطة، ابنية وسماء زرقاء، وهناك رجال كثر، موضوعون مثل الصور اللاصقة على السماء والشبابيك، يثير موضعهم الوخز في العين، مثل صراصير تتجول على إحدى اللوحات الانطباعية الهادئة.
يفسر الفنانون والناس الذين يرون اللوحة أول وهلة أن الرجال يتساقطون من السماء، من العلو المتعب، بأرديتهم الطويلة وقبعاتهم السوداء، ولكني أملك شعورا غير مبرر أنهم معلقون في أماكنهم وإن كانت غير مناسبة، على السماء والجبصين والقرميد الأحمر للأبنية، إنهم معلقون.. وهذا ما ترتاح روحي لتصديقه،

جاء شاب مرتديا الأسود ومحررا شعره خلفه وجلس عند البيانو يعزف "الفصول الأربعة" بشغف،

لكنك تملك رأيا آخر، أن الرجال لا يسقطون من العلو وليسوا معلقين على اللوحة، إنهم ببساطة يمشون مثل الآخرين ولهذا نرى أن وجوههم متجهة إلى جهات مختلفة وليسوا نسخة عن شخص واحد،
وهنا أعارضك، فأنا بنيت فكرة تعليقهم على اللوحة بفكرة العذاب والحزن الأزلي الذي ينخر بنا، إننا ومذ جربنا الحزن لأول مرة حتى إعتدنا عليه وشربنا معه وأكلنا وبعد مضي الأيام والمأكل والمشرب وجدنا أنفسنا كما يقال: (مدفون بالحياة)، حين سمعت هذه الجملة أول مرة، تراودت إلى ذهني صورة الناس وهم في توابيت من قطن مثبتون إلى غيمة أو بين خمسة نجوم، ولهذا أرجعت هؤلاء الرجال في اللوحة إلى "اشياء مثبتة في السماء"،

مر من قربنا طفل صغير، نظر إلى وجهينا وضحك ووضع كفيه الضئيلين على الكتاب الذي تمسكه وكركر بمكر، ثم فقد توازنه فتأرجح وسقط قاعدا على الأرض بخفة، وأخذ يحدق إلينا ويلعق أصابعه،

فتحنا الصورة على جهاز الكومبيوتر، وكان من السهل الشرح عليها، قلت بصوت نبه:
-أنظري، إنهم ليسوا رجلا واحدا، الاتجاه.. الطول والحجم،
اي أنهم نحن في مكان ما، في لحظة خفة نمشي وننظر لما حولنا دون عناء،
ولكني لا أصدق أن الذين في اللوحة هم الناس، بل هو حزنهم، المدفونون في الحياة، إنهم يعيشون في قوسين، قوس بين الحياة والموت، وقوس بين مرحلتين: ما قبل دخول اللوحة وما بعد دخولها. إن الاسود الذي في اللوحة هو الليالي الطويلة التي امضاها الناس بمفردهم، والقيد الذي لف يديهم وحنجرتهم وقلبهم حين أدركوا وهم يمشون في طريق ما بأنهم وحيدون تماما،

الطفل لا يزال يلعق أصابعه، والشاب العازف كان يفلت أصابعه بإرهاق على مفاتيح البيانو، أدرت وجهك لي وكنت على وشك إخبارك إن هذا الذي قصدته:

-الحزن والوحدة التي تملأنا جميعا.. مثل نهايات لحن صاخب، مثل هذا العازف
لكنك قلت مبتسما:
-هذا ما قصدته، استمعي لخفة الموسيقى التي تخرج دون عناء.. إن رجال ماغريت يمشون بذات الطريقة.. إنها روحنا المسترخية
أثارت فكرة أنك محق حنقي، إني اريد نصرة الحزن.
نظرت للطفل بغضب وكان يحمل نملة ضخمة ويضعها على شاشة الكومبيوتر.. تناسبت النملة مع الرجال في اللوحة، فكركرنا نحن الثلاثة وأطبق العازف غطاء البيانو.

هناك تعليق واحد: