السبت، 6 فبراير 2016

محاولات جدية أكثر من اللازم لفهم الآخر

أنت محاصر يا صديقي، محاصر بفكرة ليس بإمكانك التعبير عنها، إنك تتحدث كثيرا وبطريقة سريعة فتخرج ضعف الكلمات التي اقولها وتكتب وترسم دوائر وخطوط وتقوم بتعديل قبعتك السوداء كل ثانية، ورغم ذلك، أنت لم تقل حتى اللحظة ما تريد قوله، وهذا السجن يستنزفك ويجرك لنقطة بعيدة، فيها صمت تام خال حتى من الفكرة أو ضوضاء لا توصل للبهجة ولا لأي شيء.
هذا ما اخبره به دائما،
حاولت مرات كثيرة أن امنحه السلام في حديثه، مرة بأن ابتسمت لقوله واسترسلت بما يريد توضيحه، ومرة بأن تجاهلته، ومرة بأن خرجت من الغرفة وأخذت جميع أغراضي معي، ثم عدت بعد نصف ساعة، فوجدته قد أتم رسمة جميلة؛ خمس طوابيق متلاصقة تحمل شكل وجه رجل، أو وجه رجل مرسوم بشكل تكعيبي.. لم اتبين الأمر بشكل واضح، لكنه لم يهتم ونهض مسرعا،

ما قد لا تعرفونه عن هذا الفتى، أنه يقضي الفترة الفاصلة بين محاضرتين أو ساعتين او فكرتين، بأن يرفع الهاتف لأذنه ويقوم باتصال مطول وهو يمشي بطريقة عشوائية بين الناس، فمثلا الطريق مستقيمة بشكل طولي، وهو يقوم بالمشي افقيا وبالتوقف فجأة والتحدث بانفعال من شاهد فكرة تمشي أمامه، ثم يتنقل بين الأماكن بخفة غريبة؛ المكتبة.. المطعم.. مقهى القراءة وغالبا ينتهي به الأمر بأن يقف عند إحدى أجهزة المراهنة التي يجب الحصول فيها على ثلاث صور تحمل شكل ليمونة للفوز، ويقوم بالنظر إلى صور الفواكه ببلادة ومواصلة الاتصال،
حين خرج في المقطع السابق، كان قد نسي الورقة التي رسم عليها، فتبعته لأنها كانت تستحق ولأني وددت سؤاله إن كان هذا رجل تكعيبي او طوابيق. وكان يمشي بالطريقة ذاتها ويقوم بتعديل القبعة عند كل كلمة. الطريق طويل ومستقيم، كان يوجد على يساري اربعة أقسام لديكورات منزلية شتوية، وكي لا تبدو الديكورات مملة أضاف المصممون تماثيل بلاستيكية عند كل قسم، في القسم الأول كان هناك طفل وعجوز، في القسم الثاني امرأة وطفل، في القسم الثالث اب وأم وطفل وفي الرابع امرأة ورجل، ولم يرتدي اي من التماثيل شيئا سوى قبعة سوداء، حتى الطفل. وخلف القسم الرابع كان صديقي ذا الاتصال، يضحك بصوته دون أن ترتسم على وجهه أي ابتسامة.
وفي المكان كان هناك الكثير من الناس، المسنون الذين يرتادون نادي كبار السن القريب من هنا، والأطفال والنساء والرجال والعائلات الصغيرة، تماما مثل هذه الأقسام الأربعة، لم أجد مجموعة تضم جدين ووالدين واطفال، كان هناك شيء ما ينقص الجميع، وهو ما اضفى على المكان وشاحا مخمليا من الكآبة والخمول،
انزل صديقي هاتفه وزفر من ضميره، أي بدا وكأنه أنجز شيئا مهما، ثم وضع يديه في جيبه وتمشى باسترخاء تجاهي، كنت أقف عند القسم الثاني، اعكس صورة الطفل وهو وقف امامي مباشرة حيث عكس صورة المرأة، مررت بالورقة تجاهه وسألته:
-هل هذا رجل أم طوابيق في شارع؟
لم يخرج يديه من جيبه وقال بلهجة ناعمة ومسترخية لم اسمعها من قبل:
-هذه مجموعة بنايات.. انظري للزاوية، إنه شباك وبه نور.
خطرت ببالي مشاعر وافكار كثيرة، لكن فكرة واحدة كانت تطرق هذا الصندوق الذي أحمله أعلى جسدي: انه بسيط.. انه ليس محاصر وقد قال لتوه فكرته بكل سلاسة.

هناك تعليق واحد: